تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث شعيب بن صالح قال: كان لأحمد بن طولون رجل يثق به على كثير من أسراره،

152

يطالعه بها وما غاب عنه منها، فعرفه جماعة من الناس بذلك، فكانوا يهادونه استكفافا لشره وبسط يده للارتفاق

153

إلى أن كسب مالا عظيما، وانكشف أمره لأحمد بن طولون، وعلم أن قصده الارتفاق في النصيحة، فلما وقف الرجل على علم أحمد بن طولون به هرب منه خوفا على نفسه، فشق ذلك على أحمد بن طولون جدا، لاشتماله على ما عنده من أسراره، فرأى أحمد بن طولون في منامه كأنه حفر قبرا واستخرج منه ثعبانا عظيما، فقبض عليه بعنقه، وأخرجه من القبر، وجعله في جرة عظيمة، وسد رأسها، ثم أصبح فركب على رسمه مغلسا إلى العين التي بناها بالمعافر، فرأى جنازة امرأة وخلفها نحو من عشرة أنفس، وقد أخرجت في ذلك الوقت، فاستراب بها، فقال لمن يحملها: أين حفرتم لهذه الامرأة؟ فاضطرب الجماعة، وحطها وكشف الغطاء، فوجد الرجل الهارب منه، وقد رام الخروج عن البلد فأعجزه ذلك وضاقت به الحيل، فصنع هذا حتى يصل إلى الصحراء، فيذهب متنكرا في زي العباد، ويأخذ طريق الجبل، الصحراء الصحراء، إلى أن يتخلص، فأمر به إلى المطبق، واستصفى جميع ماله، وصحت رؤياه التي رآها، وزال غمه بها.

وحدث شعيب بن صالح قال: كنت مع أحمد بن طولون يوما في الصحراء فرأى حمالا وهو يحمل شيئا قد أثقله، وهو تحته يضطرب اضطرابا شديدا، فقال: لو كان اضطراب هذا الحمال من ثقل الحملة، مع ما أرى فيه، لغاص رأسه في عنقه، وما هذا منه إلا من رعب مما يحمله، فأوقفه وأمر بحط الحملة عنه، فحطت وفتشت، فإذا معه جارية قد قتلت وفصلت، فاستخبر الحمال عن القصة فقال له: أربعة نفر في دار دفعوا إلي هذه الحملة، وأعطوني دينارا فشرهت نفسي، لسوء حالي، إلى الدينار، فتحملت من حملها ما لا أطيقه. فقال له: فحضرت قتلها؟ قال: لا والله. قال له: أرني الموضع. وعاد مع الحمال إلى أن أراه الموضع الذي حمل منه، ووجد القوم بحالهم لم يهربوا بعد، فقبض عليهم وأمر بضرب أعناقهم، وضرب الحمال مائة مقرعة وأطلقه، وقال له: لو كنت حضرت قتلها لقتلتك.

وحدث حماد بن علي الأزدي، وكان أحمد بن طولون قد جعل إليه منع من هرب منه والتفتيش عنه، قال: تغير أحمد بن طولون على نعيم المعروف بأبي الذيب، فهرب منه، فأمر بطلبه وقال لي: لا تطلبه في داره بالفسطاط ولا في ضيعته سبراساط،

154

ولا عند أحد من إخوانه؛ فإنه أضعف قلبا ودينا من أن يقيم في هذه الأماكن، ولكن اطلبه في الديارات وعند النصارى فإنك تجده في زي راهب وقد دخل في جملتهم؛ لأنه حاذق بالقبطية فصيح بها. قال حماد: وطلبته هناك فوجدته كما وصف، فقبضت عليه، وجئته به على هيئته، فلما رآه قال له: إيش هذا الزي؟ أرتداد عن الإسلام؟ السيف والنطع. فقال: لا والله، أيها الأمير، ما ارتددت عن الإسلام وإنما تسترت بهذا الزي لأخفى، ولكن أين يتهيأ لي استتار منك ولغيري؟ وأنت كما قال النابغة الذبياني:

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

فأوقفه هذا القول من أن يجري عليه من المكروه ما كان معتقدا له فيه، لما كان فيه من الكرم والحياء لمن صدقه واستكان بين يديه، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، وسلم الخط إلى محبوب بن رجاء كاتبه، وكان [في] محبوب شره ومحبة لأخذ المرافق، فوعده بخمسة آلاف دينار، وكتب له خطه بها، فسأله أن ينجم

155

عليه المال ليؤديه قليلا قليلا على حسب ما يتهيأ له وتتسع به حيلته، فكان كلما أحضر ما يؤديه لم يأخذ به براءة، واستدعى خطه فحط منه وكتب بباقيه، وكلما كتب خطه بالباقي صغر الخط ولطفه إلى أن حصل له من الأداء ثلاثون ألف دينار، وكتب الخط بسبعين في رقعة صغيرة، وأقام أياما وهو يذكر اضطرابه واحتياله بما يؤديه، ثم ذكر أنه أحضر ما يؤديه، واستدعى من محبوب خطه ليحط منه على الرسم، فدفعه إليه محبوب على الاسترسال والثقة والعادة التي قد جرت، ولارتفاقه منه بخمسة آلاف دينار، فلما حصل الخط في يده أكله وقال: ما بقي علي من مصادرتي درهم واحد إلا الخمسة آلاف المرفق التي خطي معك بها. فقامت على محبوب القيامة. ورفع الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضارهما، فلما حضرا قال نعيم: قد أديت، أيد الله الأمير، جميع المال الذي أخذ به خطي إلا خمسة آلاف دينار. فذكر له محبوب حيلته وأكله للخط، فقال أحمد بن طولون لنعيم: احلف برأسي أنك قد أديت المال، ولم يبق عليك منه إلا ما ذكرت، وأن الذي ادعاه محبوب باطل ونحن نصدقك ونزيل المطالبة عنك. فقال: قد أديت جميع ما أخذ به خطي وسلم إلي خطي وحرقته، وإنما لما طولبت بخمسة آلاف دينار مرفقا خطي بها مع محبوب ولم يتهيأ لي أداؤها، ادعى علي بما ادعاه. فقال له أحمد بن طولون: يمكن أن يكون الأمر كما ذكرت، ولكن احلف برأسي على ما حكيت وقد برئت من المال، فقال: يعفيني الأمير، أيده الله، من هذه اليمين؛ فإني لست أحلف بها بوجه ولا بسبب، فقال له: لست أعفيك منها إلا بالصدق. فقال: إذا لم يعفني الأمير، أيده الله، فأنا أجل رأسه أن أحلف به إلا صادقا، والأمر كما حكاه محبوب، وما فعلت ما فعلت وحملت نفسي عليه إلا من إضافة شديدة غليظة، وأنه لم يبق لي شيء أرجع إليه فيما أديته، وقد كشفت حالي للأمير، أيده الله، فيرى في عبده ما يشبه كرمه ورياسته، فثناه هذا الفعل عنه، ورق قلبه له؛ لأنه كان إذا صدق لان وانعطف وأنعم، وبلغ منه فوق المحبوب، فأمر بإطلاقه، وحط ما كان بقي عليه، ورد ما أخذ منه، ورد إليه عملا يتصرف فيه.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٢٩