تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان في السحر بكرت إلى أحمد بن طولون وعرفته ما جرى، وتبينت الغيظ في وجهه، وقال لي: امض، وأمسك حتى دخل إليه في جملة المسلمين من غد، فلما أراد الانصراف أمره بالجلوس، فلما لم يبق أحد من المسلمين استدناه إليه ثم قال: يا هذا أسأت إليك قط؟ قال: لا، أيها الأمير. قال: أليس أنا أدر عليك أرزاقك وجراياتك وأرزاق من معك؟ قال: بلى، أيها الأمير، قال: ولا أخليك في الأوقات من صلة وجائزة؟ قال: بلى. قال: فبأي حال استوجبت منك أن تفعل كذا وكذا. وعرفه بما عرفته، فقام التركي قائما، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: رفعته علينا فصبرنا، وملكته رقابنا وأرزاقنا فأطعنا، وأعطيته الدنيا كلها فلم نبال، ما قنعت له بهذا كله حتى صرت له صاحب خير علينا، فرفعت إليه ما تخرجه حماقة النبيذ من الناس إذا هم شربوا؛ كل هذا تتقرب من قلبه. فضحك أحمد بن طولون حتى استلقى على شدة تزمته،

144

ثم أمره بالانصراف، وأتبعه بخادم معه خمسمائة دينار، وأمره أن يدفعها إلى الجارية ويقول لها: قد أحسنت في تأديبه فالزمي ذلك. ثم أخرجه بعد شهر إلى طرسوس، وكتب له بأرزاقه هناك، ووصله بخمسمائة دينار، ولم يحتمل أن يكون معه في بلده وبحيث تراه عينه ويحمل منه ما شق عليه تحمله، ولم ير في مروءته أن يسيء إليه لجميل فعل جاريته وما أصلحته من خطابه، ورميه بطرفه إلى السماء.

وأما فراسته وصحة إزكانه،

145

فما رواه أبو العباس المعروف بالطرسوسي صاحب خبره، قال: ما رأيت أصح إزكانا من أحمد بن طولون ولا أقوى فراسة منه، نظر يوما شيخا في جملة من ينظر إليه، وهو راكب سائر في جيشه، فقال لبعض حجابه: دونك ذلك الشيخ. فقبض عليه، فلما صار في داره أحضره، فإذا به رجل خراساني شديد العجمة، فسأله عن أمره فاعترف أنه صاحب خبر عليه للموفق، وأن معه كتبا إلى جماعة من قواده وأصحابه، وأحضر الكتب فأخذها، وأمر به إلى المطبق، فقال له: أيها الأمير، أما وقد أخذتني بحسن فراستك، فقد لزمني نصحك ؛ لما ملك قلبي من ذكاء عقلك واقتصارك بي على الحبس، وعفوك عن عقوبة كنت أتوقع التلف معها، فقال له: قل يا مبارك. قال: معي صاحب خبر آخر، فإن أردت أن تحتاط فاحبسنا جميعا إن رأيت ذاك، أيها الأمير، صوابا. فقال له: بارك الله عليك، وأين يكون؟ قال: في موضع نجتمع فيه من ليل إلى ليل. قال: فخذ معك من تريه إياه حتى يأتيني به. قال: أفعل. فأنفذ معه بعض حجابه ومضى معه، ولم يزل يترقب موافاة صاحبه حتى وافى في آخر النهار، فعرفه معرفة أحمد بن طولون به وقبضه عليه، فسمعه الحاجب وهو يقول: فما الذي قلت له؟ فقال: اعترفت بالصدق، فقال له: جودت، الصدق أحمد عاقبة وإن سألني صدقته، وأحسبك ذكرت له مكاني معك، فوجه هذا الرجل معك ليحضرني إليه، قال: نعم. قال: سمعا وطاعة، امض بنا. ووافيا والحاجب معهما إلى أحمد بن طولون، فعرفه الحاجب بما سمعه منه فأعجبه ذلك، وسأله عن خبره فصدقه، فقال لهما: قد نجوتما مني وتخلصتما بصدقكما، فارجعا الآن إليه وعرفاه بمعرفتنا بكما، وأخذنا الكتب التي كانت معكما، وإطلاقي لكما. ووصلهما ووجه معهما من يقيهما.

قال أبو العباس: فتحيرنا مما شاهدنا منه، وقلنا: هذا وحي. وفطن لما خامر قلوبنا من ذلك، فقال لنا: قد علمت ما اختلج بأسراركم، ما هو وحي ولكنه إزكان صحيح وذكاء قوي بحمد الله ومنه. إني رأيت هذا الرجل في وسط الناس وهو مشغول بالنظر إلي والتأمل لي، لا يطرف عني بنظر إلى جليس ولا غيره؛ فارتبت به فكان كما ظننت. فقلت له: وفق الله الأمير وكفاه.

قال: وانصرف يوما من الصيد فاجتاز على شارع الحمراء، فتأمل دارا تبنى هناك، فوقعت عينه على بعض الرقاصين،

146

فأمر بأخذه فقبض عليه، ووافوا به إلى الميدان، فلما جلس أمر بإحضاره، فلما حضر أمر بإحضار السياط والعقابين، فلما شد صاح: أيها الأمير، لا تعجل علي من قبل أن تسألني وتعلم ما عندي. فقال: صدق، حلوه. فلما حل؟ قال له: ادن. فلما دنا، قال له : عرفني خبرك واصدقني تنج مني. قال: نعم، أيها الأمير، أنا جاسوس للموفق، وكانت معي كتب ففرقتها على أصحابها، فوعدوني بكتب الجواب عنها، فعملت رقاصا ليستتر أمري، وأسمع وأنا في أوساط الناس من أحوال البلد وأخبار الأمير ما أحفظه، حتى أذكره عند عودتي لمن أنفذني، كما يلزم من نصب لهذا المنصب. فقال له: صدقت فعرفني من أصحاب الكتب. فعرفه بهم واحدا واحدا، ووكل به من أخرجه عن البلد من وقته، وقال له: قل له قد أطلعنا الله، عز وجل، على ما سترته وأردت أذيتنا به وأظفرنا ونصرنا، ولم يضرنا فعلك، والحمد لله على ذلك. فلما كان في الليل قبض على أولئك القوم أصحاب الكتب كلهم؛ فمنهم من غرقه، ومنهم من طم عليه الحفر.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٢٧