140
يفكر، وكان يأنس براهب منا يقال له أندونة، فشكونا إليه يوما أمر ابن مدبر صاحب الخراج بمصر، وقلنا له: إنه يطالبنا بجزية رءوسنا وقد أسقطت عن أمثالنا على مر السنين. فوقع إليه بخطه توقيعا وقال لنا: احذروا أن تجعلوا توقيعي هذا كالسيف الذي يصول به صاحبه، ولكن استعملوا الاستكانة عند إيصالكم إياه إليه، والمسألة وحسن التلطف. فعجبنا من قوله، وصرنا إلى ابن مدبر وإذا به قد بلغه خبر التوقيع، واستعملنا ما أمرنا به الأمير، فأخذ التوقيع منا وبلغ لنا فوق ما نحبه.
ومن ذلك ما حدث به الفارسي، وكان من ثقات أصحاب أخباره، وخصيصا به جدا قال: دعاني أحمد بن طولون يوما فقال لي: ويحك! قد خفي عني أمر فلان، رجل كان من أصحابه الأتراك، وقال لي: من العجب أن يضبط نفسه، ولا يظهر شيئا من أمره، فابحث لي عن حاله، والطف في ذلك. فمضيت إلى داره، فجلست ناحية، وسألت من قرب من جواره عنه، فعرفت أنه يركب في كل يوم، ويغلق باب داره فلا يفتح، ولا يقربه أحد إلى موافاته، فإذا وافى ونزل أغلق فلم يخرج منه أحد ولم يدخل إليه أحد إلى غد يومه، فإذا ركب كانت تلك سبيله على هذا دائما.
فاكتريت دارا رأيتها مشرفة على داره وانصرفت، فلما كان غد يومي صرت إليها ومعي حمال، معه ما أجلس عليه وآكله وأشربه ليومي، فدخلت الدار وغلقت علي بابها، وصعدت إلى سطحها فتأملته وإذا فيه موضع أشرف منه فأرى قاعة التركي وبعض مجلسه، ولم أسمع له حسا فعلمت ركوبه، فلم أزل أتوقع عودته حتى عاد من ركوبه، فلما سمعت حركته أشرفت، فرأيته وقد دخل مجلسه، وأقبلت أراعي أمره حتى رأيت الطعام ينقل إليه إلى أن فرغ من أكله، وأدخل إليه الطست والغسل، ولم أسمع بعد ذلك له حركة، فعلمت أنه لما أكل نام، فلم أزل أنتظر ما يكون، وكان ذلك الوقت صيفا.
فرأيت الفراش بعد العصر، وقد كنس القاعة ورشها، وأخرج حصرا حسانا ففرشها، وجعل له مطرحا
141
طبريا ومسورتين
142
وأربع مخاد ومقعد سامان [؟] مبطن عن يمينه ومخاد بلا مساور، وخرج الفراش فخرجت جارية فعلقت باب القاعة بينهم وبين الغلمان، وخرج التركي فجلس على المطرح وخرجت معه جارية في نهاية الحسن والجمال فجلست على المقعد السامان [؟] وجاءتها جاريتها بعودها فوضعته بين يديها.
وقدم بين يديه صينية فيها ثلاث خرداديات
143
وكوز ماء، وقدح نصف، وجعل بين يدي الجارية صينية فيها خردادي وقدح لطيف وكوز ماء ومغسل، وأخذت العود فغنت أحسن غناء وأطيبه وأحذقه، وشرب حتى استوفى الثلاث خرداديات، وشربت الجارية الخردادي الذي بين يديها، فأتي بثلاثة أخر وملئ خردادي الجارية، وغنت وشرب وشربت واستوفاهما، وفي كل واحد منهما نحو الرطلين؛ لأني رأيتهما كبارا وملئوا له، وقد خلط في كلامه، فاستدعى الرطل فملأه، وغنت وشرب، فلما شربه قال لها: ويحك الساعة حصلنا على أن يملك أحمد بن طولون لعاصي لمولاه أمير المؤمنين الموفق هذا البلد الذي ليس في الدنيا أجمل منه، ونحن بين يديه يديرنا كما يشاء، ويأمر فينا بما يحب، والله لا صبرت له على هذا. فقالت له الجارية: أيضا قد عدت إلى هذا؟ دع عنك ما لا نحتاج إلى ذكره واشرب حتى أغنيك صوتا ما سمعت مني مثله قط. فقال لها: هاتي. فغنت صوتا جودت فيه وأحسنت كل الإحسان، وشرب فما ضبط نفسه فقال لها: ما أدري أي قتلة أقتل هذا العاصي الملعون؟ فقالت له: املأ قدحك حتى أغنيك صوتا أحسن من كل ما غنيته. فلما غنت وشرب زاد الأمر عليه، فقال لها: ويحك والله لا صبرت عن هذا العاصي، ولأدخلن إليه غدا وآخذ سيفي هذا. ثم جرد سيفه ووقف واقفا وقال: ولا أزال أضربه هكذا وهكذا. وأقبل يضرب به المسورة، ويقول: أشتفي منه قلبي هكذا. حتى قطعها قطعة قطعة، فلم تزل ترفق به حتى أخذت السيف منه، وأقبلت تغنيه وتسقيه حتى سكر ونام ونمت موضعي.