فمن دهائه وجودة رأيه وحزمه، أنه لما عمل على المبادرة إلى مصر، لم يكن الرأي عنده أن يترك أطراف عمله منتشرة، غير مضبوطة ولا محروسة، فتوقف وفي قلبه أحر من الجمر، حتى بعث بأحمد بن جيغويه في جيش كثيف إلى حران
115
وما والاها، وبعث بلؤلؤ غلامه في مثل ذلك إلى نواحي الرقة
116
والدنارين
117
ليضبط ذلك. وهو آخر عمله مما يلي الشرق.
قال مؤلف هذا الكتاب: ومثل هذا بعينه رأيناه مع مؤنس الخادم الذي كان يعرف بالأستاذ لما وجه
118
به المقتدر لقتال عبد الرحمن صاحب الغرب، وقد حصل عبد الرحمن هذا بالفيوم، وملك أكثر أعمال مصر، فأقام مؤنس الخادم بالجيزة حتى استتم ما أراد من العدة، وسار إلى الفيوم في جيش لم ير مثله قط، وأخذ أول عرضه الجبل والأهرام، وأخذ آخر عرضه شط النيل، وأخرج في البحر مراكب حربية والعلابيات والعشاريات والسناديل العمالة والقوارب، وكل صنف من السفن مما لا يحصى كثرة، مملوءة رجالا وسلاحا وعلوفة وزادا، حتى كأن البحر كله قد فرش سفنا، وكانت تسير في البحر مسير الجيش في البر، فلما اتصل خبره بعبد الرحمن ولى هاربا راجعا من حيث جاء، ولحق سرعان مقدمة مؤنس أطراف أصحاب عبد الرحمن، فأسروهم وقتلوا منهم خلقا عظيما، فلما اتصل بمؤنس خبر عبد الرحمن وهربه، أتاح له الفكر والتيقظ أن يكون أظهر ذلك، لما صح عنده خلو البلد من الجيش، فخالف إليه ليملك القصبة عليهم، وأمر تكين
119
الخاصة، وكان أمير مصر يومئذ، أن يلحق الجيزة ويضرب مضاربه بها ومصافه، فأقبل تكين ركضا من الفيوم حتى ضرب مضاربه بالجيزة، حيث كانت قبل الرحيل، فساءت ظنون الناس لذلك ولم يعلموا ما السبب فيه حتى انكشف لهم، وهذا التيقظ في سياسة العساكر ومن حزم الرأي وجودة التحفظ، وإنما استدرك مؤنس الرأي بعد، ولأحمد بن طولون فضل السبق؛ لأنه استقبل أمره بحسن التدبير، وضبط الأعمال، قبل دخول آفة عليها وعليه فيها، فكان هذا من إقباله.
ولما وصل ابن جيغويه إلى حران وجد بها محمد بن أتامش
120
فطرده عنها وهزمه أقبح هزيمة، فاتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش، وكان موسى بن أتامش هذا من الفرسان المعدودين، والشجعان المذكورين، فأغاظه ذلك وخرج تعصبا لأخيه وطالبا له ولثأره، يريد ابن جيغويه، فلما اتصل خبره بابن جيغويه سقط
121
في يده، وخاف أن يضعف عنه ووقع بين شرين، كما قال الشاعر: [فقال] غدر وثكل أنت بينهما
فاختر وما فيهما حظ لمختار
مقارعة موسى بن أتامش وليس هو من أنداده، ثم النكوص عنه والرجوع إلى أحمد بن طولون فيلقى منه التلف والبوار، فأحزنه ذلك وحيره، فتأمله بعض أصحابه من الأعراب المضمومين إليه يكنى أبا الأغر، وليس بصاحب ابن الخليج، فقال له: أيها الأمير، ما لي أراك مقطبا مغموما ساهما مفكرا منذ أيام فما الخبر؟ فقال له: لخبر موسى بن أتامش. فقال له: فما هذا وزن ابن أتامش ولا مقداره أن يبلغ منك مبلغه هذا المبلغ العظيم؟ والله إنه لطياش قلق، ولو شاء الأمير أن أمضي فآتي به إليه أسيرا لفعلت، فبقي ابن جيغويه متعجبا من قوله، وقد أغاظه منه ذلك، فلغيظه قال له: نعم، قد شئت أن تأتيني به أسيرا، ولك السبق الوافر. فقال له: فضم إلي عشرة
122
رجال أختارهم، قال: أفعل. فاختار عشرة كما أحب وأمرهم ابن جيغويه بالسمع والطاعة له.
وخرج فكمن أربعة منهم بموضع وثلاثة في موضع آخر وجعل بينه وبين الثلاثة علامة وشعارا، وسار في الثلاثة الباقية معه في زي الأعراب، حتى خالطوا عسكر موسى بن أتامش ليلا، فقصد مضربه فلما قرب منه تعاثر بآري
123
فيه خيل مربوطة قريبة من المضرب، فخلع الآري
124
فنفرت الخيل وصيح بها فمرت نافرة تعدو بين المضارب وصاح هو ومن معه: الأعراب الأعراب. وأصحاب موسى متفرقون منهم من قد مضى يلتمس علفا لدوابه، وآخرون في حوائجهم ومن في الخيم، فمنهم من يشرب، ومنهم من يضرب بطنبوره ويغني لنفسه، ومنهم من قد سكر ونام. قد أمنوا أنهم لا يقدم عليهم أعراب ولا غيرهم.