تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لفظه لا بخصوص سببه كسائر نظائره.

وهذه الآية تعتبر من أقوى الدلائل على تعلم المرأة لأحكام الكتاب والسنة وسائر العلوم الشرعية, إذ هي كالرجل في ذلك, ولأن العلم الصحيح النافع يكسبها جميل الأخلاق والآداب ويرقيها إلى الشرف والكمال ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (1).

وأما ما يذكر عن نهي النساء عن الكتابة، فإن الحديث مكذوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولفظه عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن المغزل وسورة النور» انتهى.

فهذا حديث لا يصح حقق العلماء بطلانه، وأنه مكذوب على رسول الله، فسقط الاحتجاج به, وقول الحق: هو أن المرأة كالرجل في تعلم الكتابة والقراءة والمطالعة في كتب الدين والأخلاق وقوانين الصحة وتدبير المنزل وتربية العيال ومبادئ العلوم والفنون من العقائد الصحيحة والتفاسير والسير والتاريخ وكتب الحديث والفقه, كل هذا حسن في حقها تخرج به عن حضيض جهلها ولا يجادل في حسنه عاقل مع التزام الحشمة والصيانة وعدم الاختلاط بالرجال الأجانب.

وقد كان لنساء الصحابة والتابعين من هذا العلم الحظ الأوفر والنصيب الأكبر, فمنهن المحدثات ومنهن الفقيهات, وللعلماء مؤلفات في أخبار علوم النساء لا يمكن حصرها في هذا المختصر وحتى المصاحف ذات الخط الجميل في الشام والعراق, تقع غالباً بخط النساء وكثير منهن يوصفن بالنبوغ والبلاغة غير المتكلفة، ونحن نشير إلى طرف يسير منها.

ومن ذلك، أن عائشة أم المؤمنين كان الصحابة يسألونها من وراء حجاب عما يشكل عليهم من الأحاديث وتفسير الآيات, وعن الأحكام وأمور الحلال والحرام، وكانت تستدرك على الصحابة كثيراً من القضايا وهي معدودة من حفاظ الصحابة الذين أكثروا من الأحاديث عن رسول الله وهم سبعة: ابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وعائشة. ولا يكون مكثراً حتى يحفظ عن رسول الله فوق ألف حديث، وهي كذلك وقد اشتهرت بالبلاغة والنبوغ

والحفظ.

فهذه نبذة يسيرة, تدل الناظر على سعة علم نساء الصحابة وما وفقن له من الفصاحة والإصابة، مع حسن سبك الكلام المتضمن لجميل البلاغة والبيان وأن لهن العناية بتعلم العلوم النافعة وتعليمها مع العمل بها.

وقد ظهر أثر بركة علمهن على أخلاقهن وحسن آدابهن، لأنه متى صلح العلم والتعليم صلح العمل، وإذا فسد العلم والتعليم ساء العمل, وإذا ساء العمل ساءت النتيجة، لأن من العلم ما يكون جهلا, وقد استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من علم لا ينفع (2) ولا

(1) سورة المجادلة آية 11

(2) أخرجه أحمد بلفظ (اللهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع وعمل لا يرفع ودعاء لا يسمع).

رسالة إلى الأخوات المسلمات · الصفحة ٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة إلى الأخوات المسلماتص ٩٦