تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوُعَّاظِ الذينَ يُريدونَ أنْ يَسْمَعَ الناسُ إلى كلامِهم، ويَأْتُونَ بأشياءَ غَرِيبَةٍ لا يأتي بها غَيْرُهم؛ فيَكْثُرُ الذينَ يَتَوَافَدُونَ عليهم. يَحْصُلُ هذا في القُصَّاصِ.

إذا كانَ الحديثُ جاءَ مِنْ جهتَيْنِ أوْ مِنْ جِهاتٍ مُتعدِّدَةٍ، قدْ عُلِمَ أنَّ المُخْبِرَيْنِ لمْ يَتَوَاطَآ على اختلاقِهِ، يعني: جاءَ بإسنادٍ كُلُّهم مَدَنِيُّونَ، وجاءَ بإسنادٍ آخَرَ كلُّهم مِصْريُّونَ، فكيفَ يَتَّفقانِ على اختلاقِ هذا الحديثِ معَ تَبايُنِ وتَباعُدِ ما بينَهم؟ وعُلِمَ أنَّ مِثلَ ذلكَ لا تَقَعُ المُوَاطَأَةُ فيهِ اتِّفاقاً بلا قَصْدٍ، عُلِمَ أنَّهُ صحيحٌ جاءَ مِنْ طَرِيقَيْنِ عنْ صَحَابِيَّيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ.

مثالُهُ: شَخْصٌ يُحَدِّثُ عنْ واقعةٍ جَرَتْ، ويَذكُرُ تفاصيلَ ما فيها مِن الأقوالِ والأفعالِ، ويَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ قدْ عُلِمَ أنَّهُ لمْ يُواطِئ الأَوَّلَ، فيَذكرُ مِثلَ ما ذَكَرَهُ الأوَّلُ مِنْ تفاصيلِ الأقوالِ والأفعالِ، فيُعلَمُ قَطْعاً أنَّ تلكَ الواقعةَ حَقٌّ في الجُمْلَةِ. يعني: إذا حَدَّثُوا مِثْلاً عنْ وَاقِعَةٍ في غَزوةٍ، مَثلاً: فتْحُ دِمَشْقَ، واحدٌ مِنْ أهلِ مصرَ, وواحدٌ مِنْ أهلِ مَكَّةَ، تلاميذُ هؤلاءِ مَكِّيُّونَ، وتلاميذُ هذا مِصْرِيُّونَ، وأَخْبَروا بالقِصَّةِ، وقالوا مَثلاً: إنَّهُ لَمَّا حُصِرَتْ هذهِ المدينةُ، شَدَّدُوا الْحِصَارَ عليها، وأنَّ بعضاً مِن الصحابةِ دَخلوا مِنْ جِهةٍ عَنْوَةً، وبعضٌ منهم دَخَلوا مِنْ جِهةٍ صُلحاً، وأخبَرُوا بقِصَّةٍ طويلةٍ، هذا خَبَرُهُ مُطَابِقٌ لهذا؛ فكيفَ يُقالُ: إنَّهُما تَوافَقَا على اختلاقِ هذهِ القِصَّةِ. هذا يُبَيِّنُ أنَّ القِصَّةَ واقعيَّةٌ، وأنَّها صحيحةٌ، فإنَّهُ لوْ كانَ كلٌّ منهما كَذَبَها عَمْداً أوْ خَطَأً؛ لمْ يَتَّفِقْ في العادةِ أنْ يأتيَ كُلٌّ منهما بتفاصيلِ تلكَ القصَّةِ، تلكَ التفاصيلُ التي تَمْنَعُ العادةُ اتِّفاقَ اثنَيْنِ عليها، بلا مُواطأةٍ مِنْ أحدِهما لصاحبِهِ. يعني: لوْ كانتْ كَذِباً استُبْعِدَ أنْ يَتَّفِقَ عليها اثنانِ، يَرويهَا هذا الْمِصريُّ سَوَاءً بسَوَاءٍ، ثمَّ يَروِيها المكِّيُّ سواءً بسواءٍ، لا يَزيدُ هذا على هذا شيئاً؛ وإن اخْتَلَفَا في التعبيرِ، ولكنَّ المعنى واحدٌ، فكيفَ يَتَّفِقَانِ على اختلاقِ هذهِ القِصَّةِ الطويلةِ؟!

يقولُ: الرجلُ قدْ يَتَّفِقُ أنْ يَنْظِمَ بيتاً؛ ويَنظمَ الآخرُ مِثْلَهُ. يعني: إذا كانَ مَثَلاً: حَدَّثَ أنَّ معنَى مِن المعاني خَطَرَ ببالِ هذا وهذا، فنَظَمَ فيهِ بيتاً، ونَظَمَ هذا فيهِ بيتاً؛ قدْ يَتقارَبُ البَيْتَانِ، وقدْ يكونُ المعنى مُتَّفِقاً وإن اختلَفَ اللفظُ، ولكنْ إذا أَنشأَ قصيدةً طويلةً ذاتَ فُنونٍ، على قافيَةٍ ورَوِيٍّ، لمْ تَجْرِ العادةُ بأنَّ غيرَهُ يُنْشِئُ مِثْلَها لَفْظاً ومعنًى، معَ الطولِ الْمُفْرِطِ، بلْ يُعلَمُ بالعادةِ أنَّهُ أَخَذَها منهُ. مَثلاً: أَنْشَأَ هذا قصيدةً قَدْرُها مِائَةُ بَيْتٍ، ثمَّ جاءَ بها آخَرُ على لفظِها وعلى معْنَاها، تَحَقَّقْنا أنَّ هذا الثانيَ سَرَقَها مِن الأوَّلِ، وأنَّهُ أَخَذَها منهُ، لا يُمْكِنُ أنَّ هذا نَظَمَها، وهذا نَظَمَ واتَّفَقَا في الرَّوِيِّ واتَّفَقَا في المعنى واتَّفَقَا في القافيَةِ.

هذا شيءٌ مُسْتَبْعَدٌ عادةً، وإنْ كانَ بعضُهم قدْ يَفعلُ ذلكَ، ولكنَّ الظاهرَ أنَّ هذا تمثيلُ الحَريريِّ في المقاماتِ. يعني: عادةً أنَّهُ يَضْرِبُ أمثالاً، فذَكَرَ قِصَّةَ: أنَّ اثنَيْنِ جَاءَا إليهِ، كلُّ واحدٍ منهما نَظَمَ قَصيدةً، وقالَ الآخَرُ: إنَّهُ سَرَقَها مِنِّي، فقالَ الآخَرُ: إنِّي ما سَرَقْتُها، ولكنْ نَظَمْتُ كما تَيَسَّرَ لي، وكانَ أحدُهما نَظْمُهُ سُداسِيًّا والآخَرُ رُباعيًّا. القصيدةُ التي يقولُ فيها:

إيَّاكَ والدُّنيا الدَّنِيَّةَ إنَّها ... شَرْكُ الرَّدَى وجَلائِلُ الأخطارِ

دارٌ متى ما أَضْحَكَتْ في يَوْمِها أَبْكَتْ غَداً بُعْداً لها مِنْ دارِ

آفاتُها لا تَنقضِي وأسيرُها لا يُفْتَدَى بجلائلِ الأخطارِ

قَلَبَتْ لهُ ظَهْرَ الْمِجَنِّ وأَوْلَغَتْ فيهِ الْمُدَى ونَزلتْ لأَخْذِ الثَّارِ

فيقولُ: إنَّ ابنَهُ أوْ قَريبَهُ نَظَمَ قَصيدةً مِثْلَها، إلاَّ أنَّهُ قَطَعَ شَطْرَها أوْ ثُلُثَها؛ بقولِهِ:

إيَّاكَ والدُّنيا الدنِيَّةَ إنَّها ... شَرْكُ الرَّدَى

دارٌ متى ما أضْحَكَتْ في يومِها أَبْكَتْ غَدَا

آفاتُها لا تَنقضِي وأسيرُها ... لا يُفتَدَى

قَلَبَتْ لهُ ظَهْرَ الْمِجَنِّ وأَوْلَغَتْ فيهِ الْمُدَى

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٣٧