تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غزواتِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ، وأهلُ الشامِ كانوا أهلَ غزوٍ وجِهادٍ, يعني: همْ لهمْ جِهادٌ؛ حيثُ إنَّهُم فَتَحُوا بلادَ الشامِ ومصرَ والعراقَ ونحوَها، كانَ لهم مِن العلْمِ بالجهادِ والسِّيَرِ ما ليسَ لغَيْرِهم؛ لأنَّ مَنْ كانَ مُجْتَهِداً في أمْرٍ فإنَّهُ يَهْتَمُّ بما يَقَعُ فيهِ.

يقولُ: " ولهذا عَظَّمَ الناسُ كتابَ أبي إسحاقَ الفَزاريِّ الذي صَنَّفَهُ في ذلكَ "، يعني: أنَّهُ أَصْبَحَ مُعْتَمَداً معَ أنَّهُ مِنْ جُملةِ الكتُبِ التي صُنِّفَتْ في المغازي، وجَعَلُوا الأوزاعيَّ أعْلَمَ بهذا البابِ مِنْ غيرِهِ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ. والأوزاعيُّ: عبدُ الرحمنِ بنُ عمرٍو المشهورُ، عالمُ الشامِ، تُوُفِّيَ سنةَ مائةٍ وسبْعٍ وخمسينَ، هوَ مِن العلماءِ المشاهيرِ مِنْ حَفَظَةِ الحديثِ، ومِنْ عُلماءِ الأمصارِ؛ فَلَهُ عِلْمٌ بهذا كُلِّهِ.

يقولُ: "وأمَّا التفسيرُ -بعْدَما تَكَلَّمَ عن المغازِي والملاحِمِ- أعْلَمُ الناسِ بهِ أهلُ مَكَّةَ؛ لأنَّهُم أصحابُ ابنِ عبَّاسٍ، كمجاهِدٍ وعطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وعكرمةَ مولى ابنِ عبَّاسٍ، وغيرِهم مِنْ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، كطَاوُوسٍ وأبي الشَّعْثَاءِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ وأمثالِهم ". هؤلاءِ تَتَلْمَذُوا على ابنِ عبَّاسٍ، وأَخَذُوا عنهُ كثيراً. عطاءٌ مِنْ أهلِ مَكَّةَ عالمٌ جليلٌ مِنْ عُلمائِها، وكذلكَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ هوَ مِنْ أهلِ العراقِ، ولكنْ أقامَ بمَكَّةَ كثيراً لَمَّا كانَ مُخْتَفِياً عن الْحَجَّاجِ، طَاوُوسٌ معلومٌ أيضاً أنَّهُ مِنْ أهلِ اليمنِ، ولكِنَّهُ تَتَلْمَذَ على ابنِ عبَّاسٍ وقَرَأَ عليهِ كثيراً، وقدْ تَقَدَّمَ قولُ مجاهِدٍ أنَّهُ عَرَضَ المُصْحَفَ على ابنِ عبَّاسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ يَسألُهُ عندَ كلِّ آيَةٍ. وأهلُ الكوفةِ همْ أصحابُ ابنِ مسعودٍ، يعني: تَلامِيذُهُ، ولهذا كانَ يُؤْخَذُ عنهم تَفْسِيرٌ وحَدْيثٌ، مثلُ عَلْقَمَةَ والأسودِ وعَبِيدَةَ السَّلْمانيِّ وغيرِهم مِنْ تلاميذِهِ. ومِنْ ذلكَ ما تَمَيَّزُوا بهِ على غيرِهم، حيثُ إنَّهُم تَتَلْمَذُوا على ابنِ مسعودٍ وأَخَذُوا عنهُ كثيراً, وعلماءُ أهلِ المدينةِ في التفسيرِ: كزيدِ بنِ أسلمَ، يَظهَرُ أنَّهُ أَمْلَى كِتاباً في التفسيرِ، كتَبَهُ عنهُ ابنُهُ عبدُ الرحمنِ، ولهذا أَخَذَ عنهُ مالكٌ التفسيرَ، وأخذَهُ عنهُ أيضاً ابنُهُ عبدُ الرحمنِ، وأَخذَهُ عنْ عبدِ الرحمنِ عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ.

عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ ليسَ ثقةً في الحديثِ، ولكنَّهُم يَقْبَلُونَ قولَهُ في التفسيرِ. فدَائماً يَذكرونَ عنهُ قولاً. والظاهرُ أنَّهُ أَخَذَ ذلكَ كُلَّهُ عنْ أبيهِ، وأنَّهُ أَلَّفَ فيهِ كتاباً، وأنَّ كتابَهُ وَصَلَ إلى المفَسِّرِينَ الأكابرِ، كابنِ جَريرٍ، ولهذا يَرويهِ دائماً فيقولُ: حَدَّثَنا، يَرويهِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ وَهْبٍ، عن ابنِ زيدٍ، ثمَّ يَذكرُ تفسيرَ ابنِ زيدٍ، أحياناً يُصَوِّبُهُ وأحياناً يُخَطِّئُهُ.

وابنُ جَريرٍ يَظْهَرُ أَيْضاً أنَّهُ جَمَعَ كُتُباً في التفسيرِ رَوَاها بالأسانيدِ. فيَرْوِي دائماً عن التَّابِعِينَ في كُتُبٍ؛ يَظْهَرُ أنَّهُم ألَّفُوهَا، مثلُ السُّدِّيِّ الكبيرِ عبدِ الرحمنِ، يَظهَرُ أنَّهُ أيضاً أَلَّفَ كتاباً في التفسيرِ، وفيهِ قِصَصٌ إسرائيليَّاتٌ وغيرُها، يَرويهِ عنهُ أَسباطُ، فدَائماً يَرْوِي ابنُ جريرٍ عنْ أَسباطَ عن السُّدِّيِّ، وبَيَّنَ العلماءُ أنَّها نُسخةٌ ورِسَالَةٌ في التفسيرِ، كَتَبَها تِلميذُهُ الذي هوَ أَسباطَ وغيرُهُ، ويَظهَرُ أيضاً أنَّ لقتادةَ تَفسيراً، وأنَّ لمجاهِدٍ تفسيراً إنْ كانَ كَتَبَهُ، وإلاَّ كُتِبَ مِنْ كلامِهِ، كَتَبَهُ أَحَدُ تلاميذِهِ.

والمراسيلُ إذا تَعَدَّدَتْ طُرُقُها، وخَلَتْ عن الْمُواطأةِ قَصْداً، أو الاتِّفاقِ بغيرِ قَصْدٍ؛ كانتْ صحيحةً قَطْعاً. أكثرُ التفاسيرِ مَراسيلُ أوْ مقطوعةٌ مِنْ كلامِ التابعينَ، فتُعْتَبَرُ مقبولةً إذا تَعَدَّدَ الطرُقُ؛ بأنْ رُوِيَ إسنادٌ عنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ إسنادٌ عنْ قتادةَ، وآخَرُ عنْ عَلقمةَ، وآخَرُ عنْ ثابتٍ، وآخَرُ عنْ عطاءٍ، لا شَكَّ أنَّها معَ تَبايُنِهم -بعضُهم في مَكَّةَ، وبعضُهم في الكُوفةِ، وبعضُهم في الشامِ، وبعضُهم في مِصرَ- إذا تَعَدَّدَت الطرُقُ، وصارتْ قِصَّةً واحدةً، دَلَّ على أنَّ لتلكَ القِصَّةِ أَصْلاً.

يقولُ: إذا تَعَدَّدَت طُرُقُها، وخَلَتْ عن الْمُوَاطأةِ قَصْداً، أو الاتِّفاقِ بغيرِ قَصْدٍ؛ كانتْ صحيحةً قَطْعاً. أمَّا إذا قُدِّرَ أنَّهُم تَوَاطَئُوا ثمَّ حَدَّثُوا بحَدِيثٍ؛ يَظهرُ أنَّهُم قَالُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهم، فلا يكونُ صحيحاً.

يقولُ: فإنَّ النقْلَ إمَّا أنْ يكونَ صِدْقاً مُطابِقاً للخَبَرِ. يعني: في نفْسِ الأمرِ، وإمَّا أنْ يكونَ كَذِباً، تَعَمَّدَ صاحبُهُ الكذِبَ أوْ أَخطأَ فيهِ، فمَنْ سَلِمَ مِن الكذِبِ العمْدِ والخطأِ كانَ صادِقاً بلا رَيبٍ، كانَ خَبَرُهُ صِدْقاً بلا رَيْبٍ، وتَعَمُّدُ الكذِبِ حرامٌ، ولكنْ يُوجَدُ كثيرٌ يُفَسِّرُونَ القرآنَ بآرائِهم، فيكونُ قولُهم خَطَأً؛ لأنَّهُم لمْ يَعْتَمِدُوا فيهِ على النقْلِ، ويوجَدُ أيضاً آخَرونَ يَتَعَمَّدونَ الكذِبَ، والغالبُ أنَّهُم مِن المنافقينَ والزنادقةِ الذين يُريدونَ أنْ يُفْسِدُوا على الأُمَّةِ. ويُمْكِنُ أنْ يكونَ كثيرٌ منهم مِن القُصَّاصِ

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٣٦