المنبر، فسمعته يقول: ((يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك))، وثم رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلاناً في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حتى رأيت بياض إبطيه، فقال: ((لا تجني أم ولد على ولد، لا تجني أم ولد على ولد)) (1).
الفوائد والعبر:
1 – أنه يجب على الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر التحلي بالصبر وتحمل الأذى من المدعوَّين، فإن الدعاة والمحتسبين كثيراً ما يتعرض لهم أهل الكفر وأهل النفاق والفساق بالأذى الجسدي أو بالأذى بالسباب أو القدح فيهم بما ليس فيهم – كما فعل أبو لهب – أو بتصيد أخطائهم وتضخيمها ونشرها، ولهذا أعقب الله تعالى الأمر بالتواصي بالحق بالأمر بالصبر عليه في سورة العصر.
2 – أن الهداية بيد الله تعالى ينعم بها على من علم أنه أهل لها، وليست بيد أحد من الخلق، حتى أنبياء الله تعالى – وهم أفضل البشر – لا يستطيعون هداية أحد لم يرد الله هدايته، كما قال تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [القصص: 56]، ولهذا لم يستطع محمد صلى الله عليه وسلم هداية عمه أبي لهب ولا عمه أبي طالب الذي نصره وحماه، ولم يستطع نوح عليه السلام هداية ابنه وزوجته، ولم يستطع لوط عليه السلام هداية زوجته.
3 – أن نور الإيمان والطاعة يظهر على وجه صاحبه، ولهذا كان أقوى البشر إيماناً – صلى الله عليه وسلم – كأن وجهه قطعة قمر.
4 – أن للصادق علامات يعرف بها، كما أن للكاذب علامات يعرف بها، فينبغي أن يكون المسلم فطناً، وأن لا يثق إلا بمن تظهر عليه
(1) رواه ابن أبي شيبه 14/ 300، والنسائي (2531)، وابن ماجه (2760)، والطبراني (8175)، والحاكم 2/ 612، والدارقطني 3/ 45 وبعضهم اختصره. وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أيضاً البوصيري في الزوائد.