وحينئذ فإنا نصير إلى الجمع بينهما فنقول: إن العصر لا تؤخر اختياراً إلى ما بعد الاصفرار، ويجوز للضرورة تأخيرها إلى الغروب لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
الدليل الثاني: حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الذي تفوته صلاة العصر متعمداً حتى تغرب الشمس فكأنما وُتر أهله وماله" (1).
وجه الدلالة: أنه حدَّ فوات العصر؛ بغروب الشمس، فدل على أنه آخر وقتها (2).
المناقشة: يناقش بما نوقش به الدليل الأول.
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن للصلاة أولاً وآخراً ... الحديث"، وقد ذكر في صلاة العصر: " وآخره حين تغرب الشمس" (3).
(1) رواه بهذا اللفظ: أحمد في مسنده (8/ 238 حديث 4621) وفي إسناده: الحجاج بن أرطاة، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس (تقريب التهذيب ص 152 برقم 1119).
ورواه عبدالرزاق في مصنفه (كتاب الصلاة/ باب وقت العصر/ حديث 2075/ج 1/ص 548) ورواه أحمد عنه (10/ 427 حديث 6358) من طريق ابن جريج قال: أخبرني نافع: أن ابن عمر كان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الذي تفوته العصر فكأنما وتر أهله وماله". قلت لنافع: حتى تغيب الشمس؟ قال: نعم.
قال محققو المسند (الأرنؤوط وآخرون): إسناده صحيح على شرط الشيخين (10/ 427).
وهو كذلك؛ فرجال هذا الإسناد كلهم أئمة في الرواية، وأدناهم ابن جريج: ثقة فقيه فاضل؛ كان يدلّس ويرسل (انظر: تقريب التهذيب ص 363 برقم 4193) وهو هنا قد صرح بالقراءة.
والحديث بدون قوله: "حتى تغرب الشمس" في البخاري (9 - كتاب مواقيت الصلاة/ 14 - باب إثم من فاتته العصر/ حديث 552/ص 114) ومسلم (5 - كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ 35 - باب التغليظ في تفويت صلاة العصر/ حديث 626/ص 314).
(2) انظر: بدائع الصنائع (1/ 207 - 208)
(3) لم أجده بهذا اللفظ بعد طول بحث، وإنما ورد بلفظ: "حين تصفر الشمس". رواه الترمذي (2 - أبواب الصلاة/ 1 - باب ما جاء في مواقيت الصلاة/ حديث 151/ ج 1/ص 283) من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وساق بعده بإسناده إلى أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن مجاهد قال: كان يقال: إن للصلاة أولاً وآخراً ... إلخ.
قال الترمذي: "سمعت محمداً -يعني: البخاري- يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن الفضيل".
والدارقطني (كتاب الصلاة/ باب إمامة جبريل/ حديث 1030/ ج 1/ ص 492) من طريق محمد بن فضيل به، ثم قال: "هذا لا يصح مسنداً، وهِم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلاً"اهـ. ثم ساق بسنده من طريق الأعمش عن مجاهد مرسلاً؛ وقال: "وهو أصح من قول ابن فضيل"اهـ
والبيهقي (كتاب الصلاة/ باب آخر وقت العشاء/ ج 1/ ص 375 - 376) ثم ساق بعده بسنده إلى يحيى بن معين أنه يضعّف هذا الحديث.
وضعفه ابن عبدالبر؛ وقال: "هذا الحديث عند جميع أهل الحديث حديث منكر". (التمهيد 1/ 124).
وذكر ابن حجر نقل الترمذي عن البخاري تضعيفه للحديث ولم يعلّق عليه. (التلخيص الحبير 1/ 446)
وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي (1/ 284 - 285)
وكذلك الألبانيُّ في السلسلة الصحيحة وقال: "هذه ليست علة قادحة؛ لاحتمال أن يكون للأعمش فيه إسنادان: أحدهما عن أبي صالح عن أبي هريرة، والآخر عنه عن مجاهد مرسلاً. ومثل هذا كثير في أحاديث الثقات فمثله لا يردّ به الحديث ... " (4/ 272 حديث 1696).
ولعل الأقرب الذي تطمئن إليه النفس أن الحديث ضعيف؛ خاصة أن في كفة من ضعّفه أئمة كباراً؛ كالبخاري والدارقطني.