وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية (1)، والشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (2) والشيخ محمد رشيد رضا (3).
القول السابع: أن من قيّد إقامته بانتهاء عمل مقيّد بزمن فهو مسافر؛ فإن نوى إقامة
(1) يظهر ذلك من وجوه: الأول: أنه ذكر الإقامة وأطلقها دون تحديد في سياقه لبعض المسميات الشرعية التي سبيلها العرف عنده كحقيقة الماء الذي يرفع الحدث وكالخف. (انظر: مجموع الفتاوى 24/ 34 - 36) الثاني: ردّه ضبط السفر إلى العرف؛ حيث قال في (مجموع الفتاوى 24/ 40): "كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفراً في عرف الناس فهو السفر الذي علّق به الشارع الحكم". وما دام قد ضبط السفر بالعرف فلا ريب أنه يضبط الإقامة بالعرف. الثالث: أن كلام العلماء يحمل عند الإطلاق على العرف؛ لأنه= =الأقرب إلى مراد المتكلم والمتبادر إلى فهم السامع؛ وهذا هو منهج شيخ الإسلام مع كلام العلماء؛ فقد قال عن سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في (الصارم المسلول 3/ 1009): "وإذا لم يكن للسب حد معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس، فما كان في العرف سباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو الذي يجب أن ينزل عليه كلام الصحابة والعلماء". (انظر في تقرير كلام شيخ الإسلام: حد الإقامة)
(2) انظر: الدرر السنية (4/ 430 - 431). فقد سئل رحمه الله عن البدو إذا كان معهم أهلهم ويتبعون المرعى ... الخ، فأجاب: "لانجعلهم كالمقيمين أبداً، ولا كالمسافرين مطلقاً، بل هذا محل تفصيل، فأما إذا نزلوا منزلاً ونووا استيطانه ما دام المرعى فيه، أو نووا الإقامة وقتاً دون وقت، أو نزلوا على ماء ونووا الإقامة عليه ما وجدوا لدوابهم مرعى، أو نووا الإقامة على هذا الماء وقتاً دون وقت، فهم والحالة هذه مقيمون تثبت لهم أحكام الإقامة ولا يستبيحون رخص السفر، لأن هذا هو الاستيطان في حق هؤلاء، والعرف يشهد بذلك ... الخ".
(3) انظر: تفسير المنار (2/ 121 - 122، 5/ 300). قال رحمه الله في الموضع الأول: "وكذلك السفر يشمل إطلاقه وتنكيره الطويل والقصير وسفر المعصية فالعمدة فيه ما يسمى في العرف سفراً كسائر الألفاظ المطلقة في الشرع. والعرف يختلف باختلاف أسباب المعيشة ووسائل النقل ... ولا خلاف بين المسلمين في أن السفر الذي يباح فيه القصر يباح فيه الفطر"اهـ.
والأستاذ رشيد رضا: هو الشيخ العالم محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني البغدادي الأصل. ولد في القلمون من طرابلس الشام سنة 1282 هـ، وتعلم فيها وفي طرابلس، ثم رحل إلى مصر سنة 1315 هـ فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له. أصدر مجلة (المنار) التي بث فيها آراءه الإصلاحية، كما ألف تفسير المنار؛ وصل فيه إلى آخر سورة يوسف، وكان مرجعاً للفتيا. توفي بمصر سنة 1354 هـ. (انظر: الأعلام 6/ 126 ومعجم المؤلفين 9/ 312، ومما صنف في ترجمته استقلالاً: السيد رشيد رضا لشكيب أرسلان).