ويشهد لهذا المعنى قول علقمة بن عبدة في شعره الذي استشفع به عند الملك الحارث ابن جبلة الغسّاني، ليطلق له أخاه شَاسا، حين وقع في أسر الحارث:
فلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عن جَنَابَةٍ ...
فإنِّي امرؤٌ وَسْط القباب غريب
وفسّر بعضهم الجار ذا القربى بقريب الدار، والجُنُبُ بعيدها، وهذا بعيد، لأنّ القربى لا تعرف في القرب المكاني، والعرب معروفون بحفظ الجوار والإحسان إلى الجار، وأقوالهم في ذلك كثيرة، فأكّد ذلك في الإسلام لأنّه من محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق، ومن ذلك الإحسان إلى الجار.
وأكّدت السنّة الوصاية بالجار في أحاديث كثيرة: ففي "البخاري" عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه ".
وفيه عن أبي شريح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو يقول: " والله لاَ يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ".
(22/ 395)
قيل: "ومن يا رسول الله" قال: " من لا يأمن جارُه بوائقه " وفيه عن عائشة، قلت: "يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيّهما أهدي" قال " إلى أقربهما منك بابا " وفي "صحيح مسلم": قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ " إذا طبخت مَرَقة فأكْثِر ماءها وتعاهده جيرانك ". أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 4 صـ 124﴾
فصل
قال القرطبى:
واختلف الناس في حدّ الجِيرة؛ فكان الأُوزاعيّ يقول: أربعون داراً من كل ناحية؛ وقاله ابن شهاب.
ورُوي " أن رَجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني نزلت مَحَلّة قوم وإن أقربهم إليّ جُوَاراً أشدّهم لي أذًى؛ فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليّاً يصيحون على أبواب المساجد: ألاَ إنّ أربعين داراً جارٌ ولا يدخل الجنة من لا يأمن جارهُ بوائقه "
وقال عليّ بن أبي طالب: مَن سَمِع النّداء فهو جارٌ.