وفيما قالهُ [أبُو الفتح] وأبُو البقاءِ نَظَرٌ، فإنَّ " الصَّالِحات " في القراءةِ المَشْهُورَةِ مُعَرَّفَةٌ بِأل، وقَد تَقَدَّمَ أنَّه تكُونُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ انَّ العموم المفيد للكثرة، ليس مِنْ صيغَةِ الجَمْعِ، بل مِنْ " ألْ "، وإذا ثَبَتَ أن " الصَّالِحَاتِ " جمع كَثْرَةٍ، لَزِمَ أنْ يكُونَ " قَانِتَات " و" حَافِظَات " للكثرة؛ لأنَّهُ خبرٌ عن الجميعِ، فَيُفِييدُ الكَثْرَةَ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قلت: الرِّجَالُ قَائِمُونَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ قَائِماً، ولا يجوز أن يكُونَ بعضُهم قاعداً، فإذاً القراءةُ الشَّهيرةُ وافيةٌ بالْمعنى [المقصود].
قوله: ﴿فِي المضاجع﴾ فيه وجهان:
أحدها: أنَّ " في " على بابها من الظرفيَّةِ متعلّق بـ ﴿اهجروهن﴾ أي: اتركوا مضاجعتهن، أي: النَّوْمَ مَعَهُنَّ دون كلامِهِنَّ ومؤاكلتهنَّ.
والثَّاني: أنها للِسَّبَبِ. قال أبُو البقاءِ: ﴿واهجروهن﴾ بسبب المضاجع، كما تَقُولُ: في هذه الجِنَايَةِ عُقُوبَةٌ، وجعل مكي هذا الوجه مُتَعَيِّناً، ومنع الأول، قال: ليس ﴿فِي المضاجع﴾ ظرفاً للهجران، وإنَّمَا هو سَبَبٌ لِهِجْرَانِ التَّخَلُّفِ، ومعناه: فاهجروهنّ من أجل تخلفهن عن المُضاجَعَةِ معكم، وفيه نَظَرٌ لا يخفى.
قوله: " [فإن أطعنكم] فلا تبغوا عليهن سبيلاً " في نَصْبِ " سبيلاً " وجْهَانٍ:
أحدهما: أنه مفعول به.
والثَّانِي: أنَّهُ على إسْقَاطِ الخَافِضِ، وهذان الوَجْهَانِ مبنيان على تفسِير البَغْي هنا ما هو؟ فقيل: هو الظٌّلْمُ من قوله: ﴿فبغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76]، فعلى هذا يَكُونُ لازِماً، و" سبيلاً " منصوب بإسْقَاطِ الخَافِضِ أي: كسبيل.
(22/ 342)
وقيل: هو الطَّلب، من قولهم: بَغَيْتُه، أي: طلبته، وفي ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ وجهان: