وقيل: كلما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة, وقيل: كلما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا: الذنوب كلها- بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه معصيته ومخالفة أمره - كبائر, فالنظر إلى من عصى أمره. وانتهك محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر, وهي مستوية في هذه المفسدة, قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها, فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض, فلم يبق إلاّ مجرد معصيته ومخالفته, ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب.
قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنب إنما هي تابعة للجراءة والتوثب على حق الرب تبارك وتعالى, ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطئ فرجا حراما, وهو لا يعتقد تحريمه, لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام, ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيا بأحد المفسدتين, وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول: فدل على أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتوثب.
قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه وإنتهاك حرمته, وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب.
قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه, ولكن ينظر إلى قدر من عصاه, وعظمته, وانتهاك حرمته بالمعصية, وهذا لا يقترن فيه الحال بين معصية ومعصية, فإن ملكا مطاعا عظيما لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهم له إلى بلد بعيد, وأمر آخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار, فعصياه وخالفا أمره, لكانا في مقته والسقوط من عينه سواء.
(22/ 219)