احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر فقال: قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام.
وأجاب أصحابنا عنه من وجوه:
الأول: أنكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث أنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيآت، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا يكفرها، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل.
(22/ 199)
لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل، وعندنا أنه دلالة ظنية ضعيفة، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة "إن" على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، وهذا أيضا ضعيف، ويدل عليه آيات:
إحداها: قوله: ﴿واشكروا الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172] فالشكر واجب سواء عبد الله أو لم يعبد.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: 283] وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك.
وثالثها: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان﴾ [البقرة: 282] والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا.
ورابعها: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده.
وخامسها: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: 33] والاكراه على البغاء محرم، سواء أردن التحصن أو لم يردن.