قلت : لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض ، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها ، فكان أداؤها مظنة للتفريط ، بخلاف الدين فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه ، فلذلك قدمت على الدين بعثاً على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين ، ولذلك جيء بكلمة "أو" للتسوية بينهما في الوجوب ، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله : ﴿ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ ﴾ أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون ، أمن أوصى منهم أمن لم يوص ؟
يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية ، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ، ذهاباً إلى حقيقة الأمر ، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة ، إلا أنه فانٍ ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى.
وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
وقيل : إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع.
وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه ، سأل أن يرفع إليه ابنه.
فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً.
وقيل : قد فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة.
ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع ، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة.
وقيل : الأب يجب عليه النفقة على الابن إذا احتاج ، وكذلك الابن إذا كان محتاجاً فهما في النفع بالنفقة لا يدري أيهما أقرب نفعاً.
وليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له ، لأن هذه الجملة اعتراضية.
ومن حق الاعتراضي أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه ، والقول ما تقدم ﴿ فَرِيضَةً ﴾ نصبت نصب المصدر المؤكد ، أي فرض ذلك فرضاً ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً ﴾ بمصالح خلقه ﴿ حَكِيماً ﴾ في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها. أ هـ ﴿الكشاف حـ 1 صـ 510 ـ 516﴾