إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وفي قوله : " وَالَّذي يَخُصُّ هذا المَوْضِع " فيه نَظَرٌ ، فَإنَّهُ كما يجوزُ أن يكونَ ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ حالاً من " نَار " هنا يجوزُ أن يكون حالاً من " النَّار " في البقرة ، وفي [ إبداء ] الفرقِ عُسْرٌ ، ولم يظهر [ منع أبي عليٍّ كَوْنَ ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ظرفاًَ للأكْلِ وجه ظاهر فإن قيل : الأكل لا يكون إلا ] في البَطْنِ فما فائدةُ قوله : ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ ؟ .
فالجوابُ أنَّ المرادَ به التَّأكِيدُ والمبالغةُ كقوله : ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم ﴾ [ آل عمران : 167 ] والقول لا يكون إلا بالفم ، وقوله : ﴿ ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ﴾ [ الحج : 46 ] والقلبُ لا يكونُ إلاَّ في الصَّدْرِ ، وقوله : ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ [ الأنعام : 38 ] والطّيرانُ لا يكون إلاَّ بالنَّجَاحِ.
قوله : ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ ، قرأ الجمهور بفتح الياء واللام ، وابن عامر وأبو بكرٍ بضمِّ اليَاءِ مَبْنِيّاً من الثُّلاَثِيِّ ، ويَحْتمل أنْ يكون من أصليٍّ فَلَمَّا بُنِيَ للمفعول قَامَ الأوَّلُ مقام الفَاعِلِ ، وابن أبي عبلة بضمهما مبنياً للفاعل الرُّبَاعي ، والأصل على هذه القراءة : سَيُصْلون من أصلي مثل يكرمون من أكرم ، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت ، فالتقى السَّاكنان فَحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وَضَمُّ ما قبل الواو ليصح و" أصْلَى " يُحتمل أنْ تكون الهمزةُ فيه للدُّخول في الشَّيءِ ، فَيَتَعَدَّى لواحدٍ وهو ﴿ سَعِيراً ﴾ ، وأن تكون للتَّعدية ، فالمفعول محذوف أي : يُصْلَونَ أنفْسهم سعيراً.