أحدها : أن " قِيماً " مصدر كالقيام وليس مقصوراً منه قال الكسائِيُّ والأخْفشُ والفراء. فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُرادُ به الثباتُ والدَّوامُ ، وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه كان يَنْبَغِي أن تَصِحَّ الواو لتحضُنها بِتَوسُّطِها ، كما صَحَّت واو " عِوَض " " وحِوَل " ، وقد أجيبَ عنه بأنه تَبعَ فعله من الإعلال وكما أُعِلَّ فعله أُعِلَّ هو ، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِلَ عليه في الإعلال.
وَحَكَى الأخفش : " قِيماً " و" قِوَماً " قال : والقياسُ تصحيحُ الواو ، وإنما اعتلت على وجه الشُّذُوذِ كقولهم : " ثِيرَة " وقول بني ضبة " طِيال " في جمع طويل ، وقول الجميع " جِياد " في جمع جواد ، وإذا أعلّوا " دِيَماً " لإعلال " دِيْمة " ، فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أوْلى ، ألا تَرَى إلى صِحَّةِ الجمع مع اعتلالِ مُفْرده في معيشة ، ومعايش ، ومقامة ، ومَقَاوِم ، ولم يُصَححوا مَصْدراً أعلُّوا فِعْلهُ.
الثاني : أنه جمع " قِيمة " كـ " دِيَم " في جمع " دِيْمَة " ، والمعنى : أنَّ الأموال كالقيم للنفوس ؛ لأنَّ بقاءها بها ، وقد رَدَّ الفارسيُّ هذا الوجه ، وإنْ كان هو قول البصريين غير الأخفشِ ، بأنه قد قرئ قوله تعالى : ﴿ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ [ الأنعام : 161 ] وقوله : ﴿ البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ ﴾ [ المائدة : 97 ]. ولا يصحُّ معنى القيمة فيهما ، وقد رَدَّ عليه الناس بأنَّه لا يلزم من عدم صحَّة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا ، إذ معناه لائق ، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما قراءة باقي السَّبعة فهو مصدرُ " قام " والأصلُ " قِوام " ، فأبدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة ، والمعنى : التي جعلها اللهُ سبب قيام أبدانكم أي : بقائها.