تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونذكر على سبيل المثال الآية الواردة في هذه السورة عن حكم الزانيات : (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ; فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت , حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا). . فمن المقطوع به أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النور التي بينت حد الزنا : (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة , ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله , إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر , وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). . وهذه الآية الأخيرة نزلت بعد حديث الإفك في السنة الخامسة [ أو في السنة الرابعة على رواية ] فقد قال رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ حين نزلت : " خذوا عني . خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا . . . " إلخ . وكان السبيل هو هذا الحكم الذي تضمنته آية النور .

وفي السورة نماذج كثيرة كهذا النموذج , تدل على تواريخ نزولها على وجه التقريب . على النحو الذي بيناه في مطالع الكلام عن سورة البقرة . .

هذه السورة تمثل جانبا من الجهد الذي أنفقه الإسلام في بناء الجماعة المسلمة , وإنشاء المجتمع الإسلامي ; وفي حماية تلك الجماعة , وصيانة هذه المجتمع . وتعرض نموذجا من فعل القرآن في المجتمع الجديد , الذي انبثق أصلا من خلال نصوصه , والذي نشأ ابتداء من خلال المنهج الرباني . وتصور بهذا وذلك طبيعة هذا المنهج في تعامله مع الكائن الإنساني ; كما تصور طبيعة هذا الكائن وتفاعله مع المنهج الرباني . . تفاعله معه وهو يقود خطاه في المرتقى الصاعد , من السفح الهابط , إلى القمة السامقة . . خطوة خطوة , ومرحلة مرحلة . . بين تيارات المطامع والشهوات والمخاوف والرغائب ; وبين أشواك الطريق التي لا تخلو منها خطوة واحدة ; وبين الأعداء المتربصين على طول الطريق الشائك !

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٨٠٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٨٠٤١