نهى الله تبارك وتعالى في هذه الآية عن ظن الموت بالشهداء ، وصرح بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولم يبين هنا هل حياتهم هذه في البرزخ يدرك أهل الدنيا حقيقتها أو لا ؟ ولكنه بين في سورة البقرة أنهم لا يدركونها بقوله : ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون ﴾ [ البقرة : 154 ] لأن نفي الشعور يدل على نفي الإدراك من باب أولى كما هو ظاهر. أ هـ ﴿أضواء البيان حـ 1 صـ 256﴾
قوله : ﴿يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله﴾
فصل
قال الفخر :
اعلم أن المتكلمين قالوا الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : ﴿يُرْزَقُونَ﴾ إشارة إلى المنفعة ، وقوله : ﴿فَرِحِينَ﴾ إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الإلهية كانت مبتهجة من وجهين : أحدهما : أن تكون ذواتها منيرة مشرقة متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الالهية.
والثاني : بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة ، قالوا : وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من ابتهاجها بالأول ، فقوله : ﴿يُرْزَقُونَ﴾ إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله : ﴿فَرِحِينَ﴾ إشارة إلى الدرجة الثانية ، ولهذا قال : ﴿فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ﴾ يعني أن فرحهم ليس بالرزق ، بل بايتاء الرزق لأن المشغول بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن طلب الحق لغيره فهو محجوب. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 77﴾
وقال ابن عاشور :
وقولُه : ﴿ فرحين ﴾ حال من ضمير ﴿ يرزقون ﴾.