إنما ثُنّي " الْجَمْعَان " -وإن كان اسم جمع- وقد نَصًّ النُّحَاةُ على أنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع إلا شذوذاً- لأنه أريد به النوع ؛ فإن المعنى جَمْع المؤمنين وجَمْع المشركين ، فلما أريد به ذلك ثُنِّي ، كقوله : [ الطويل ]
وَكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ وَإنْ هُمَا... تَعَاطَى الْقَنَا قَوْماً هُمَا أخَوَانِ
قوله : ﴿ إِنَّمَا استزلهم الشيطان ﴾ السين في ﴿ استزلهم ﴾ للطلب ، والظاهر أن استفعل ها هنا -بمعنى أفْعَل ؛ لأن القصة تدلُّ عليه ، فالمعنى : حَمَلَة على الزلة ، فيكون كـ " اسْتَلَّ " و" أبَلَّ " واستزلَّ بمعنى وَاحِدٍ ، قال تعالى : ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان ﴾ [ البقرة : 36 ].
وقال ابن قتيبةَ : ﴿ استزلهم ﴾ طلب زلَّتَهُمْ ، كما يقال : استعجلته : أي : طلبت عجلته ، واستعملته طلبت عمله.
قوله : ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ فيه وجهانِ :
الأول : أن الباء للإلصاق ، كقولك : كتبت بالقَلَم ، وقطعت بالسِّكِّين ، والمعنى : أنه قد صدرت عنهم جنايات ، فبواسطتها قدر الشَّيطان على لستزلالهم ، وعلى هذا التقدير اختلفوا :
فقال الزَّجَّاجُ : إنهم لم يتولَّوْا عناداً ، ولا فراراً من الزَّحْف ، رغبة منهم في الدنيا ، وإنما ذكَّرهم الشيطانُ ذنوباً -كانت لهم- فكرهوا البقاء إللا على حالٍ يَرْضَوْنَهَا.
وقيل : لما أذنبوا -بمفارقة المركز ، أو برغبتهم في الغنيمة ، أو بفشلهم عن الجهاد- أزلهم الشيطانُ بهذه المعصيةِ ، وأوقعهم في الهزيمة.
الثاني : أن تكونَ الباء للتبعيض ، والمعنى : أنَّ هذه الزَّلَّةَ وقعت لهم في بعض أعمالهم. أ هـ ﴿تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 3 ـ 4﴾. بتصرف يسير.