وأولى ذلك بالصواب ، قراءةُ من قرأ : "أفغير دين الله تبغون" على وجه الخطاب"وإليه تُرجعون" بالتاء. لأن الآية التي قبلها خطابٌ لهم ، فإتباعُ الخطاب نظيرَه ، أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره. وإن كان الوجه الآخر جائزًا ، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل : من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانًا على الخطاب كله ، وأحيانًا على وجه الخبر عن الغائب ، وأحيانًا بعضُه على الخطاب ، وبعضُه على الغيبة ، فقوله : "تبغون" و"إليه ترجعون" في هذه الآية ، من ذلك. (1)
وتأويل الكلام : يا معشرَ أهل الكتاب "أفغيرَ دين الله تبغون" ، يقول : أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون ، "وله أسلم من في السماوات والأرض" ، يقول : وله خَشع من في السموات والأرض ، فخضع له بالعبودة ، وأقرّ له بإفراد الربوبية ، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية "طوْعًا وكرهًا" ، يقول أسلم لله طائعًا من كان إسلامه منهم له طائعًا ، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين ، فإنهم أسلموا لله طائعين "وكرهًا" ، من كان منهم كارهًا. أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ 6 صـ 564 ـ 565﴾
فصل
قال الفخر :
قال الواحدي رحمه الله : الطوع الانقياد ، يقال : طاعه يطوعه طوعاً إذا انقاد له وخضع ، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه ، وإذا وافقه فقد طاوعه ، قال ابن السكيت : يقال طاع له وأطاع ، فانتصب طوعاً وكرهاً على أنه مصدر وقع موقع الحال ، وتقديره طائعاً وكارهاً ، كقولك أتاني راكضاً ، ولا يجوز أن يقال : أتاني كلاماً أي متكلماً ، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان ، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 108﴾
(1) تقدم الكلام على الترجيح بين القراءات المتواترة.