الثالث : أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لـ " رَبَّانِيِّينَ " ذكره أبو البقاء ، وليس بواضح المعنى ، و" ما " مصدرية ، فتكون مع الفعل بتأويل المصدر ، أي : بسبب كونكم عالمينَ ، نظيره قوله : ﴿ اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ ﴾ [ الجاثية : 34 ]. وظاهر كلام أبي حيان أنه يجوز أن تكون غير ذلك ؛ فإنه قال : و" ما " الظاهر أنها مصدرية ، فهذا يوم تجويز غير ذلك - وفي جوازه بُعْد - وهو أن تكون موصولة ، وحينئذ تحتاج إلى عائد وهو مقدر ، أي بسبب الذي تعلمون به الكتاب ، وقد نقص شرطٌ ، وهو اتحاد المتعلَّق ، فلذلك لم يظهر جعلها غير مصدرية. و" كُنْتُمْ " معناه " أنتم " كقوله : ﴿ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً ﴾ [ مريم : 29 ] أي مَنْ هو في المهد.
قوله : ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو " تَعْلَمُونَ " مفتوح حرف المضارعة ، ساكن العين مفتوح اللام من عَلِم يَعْلَم ، أي : تعرفون ، فيتعدى لواحدٍ ، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة ، وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً ، فيتعدى لاثنين ، أولهما محذوف ، تقديره : تُعَلِّمُونَ الناسَ والطالبين الكتاب.
ويجوزُ أن لا يُراد مفعول ، أي : كنتم من أهل التعليم ، وهو نظير : أطعم الخبزَ ، المقصود الأهم إطعام الخُبْز من غير نظرٍ إلى مَنْ يُطْعمُه ، فالتضعيف فيه للتعدية.
وقد رجح جماعة هذه القراءة على قراءة نافع ، بأنها أبلغ ؛ وذلك أن كل مُعَلِّم عالم ، وليس كُلُّ عالمٍ معلماً ، فالوصْف بالتعليم أبلغ ، وبأن قبله ذِكْرَ الربانيين ، والرباني يقتضي أن يَعْلَم ، ويُعَلَّمَ غيرَه ، لا أن يقتصر بالعلم على نفسه.