﴿ فإن حاجوك ﴾ - أي في التوحيد وفي الدين - ﴿ فقل : أسلمت وجهي لله ﴾ أنا ﴿ ومن اتبعن ﴾ . . والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا . فليس هو مجرد التصديق . إنما هو الاتباع . كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزى كذلك . فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان . إنما هو كذلك الاستسلام . استسلام الطاعة والاتباع . . وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام . والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان . فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب .
هذا اعتقاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنهج حياته . والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته . . فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه :
﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ؟ ﴾ . .
فهم سواء . هؤلاء وهؤلاء . المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه . مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله ، ووحدة الألوهية ووحدة القوامة . مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه . وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة .
﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ . .
فالهدى يتمثل في صورة واحدة . هي صورة الإسلام بحقيقته تلك وطبيعته . وليس هنالك صورة أخرى ، ولا تصور آخر ، ولا وضع آخر ، ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء . . إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء . . أ هـ ﴿ الظلال حـ 1 صـ 380 ـ 381﴾
من لطائف الإمام القشيرى فى الآية
طالِعْهُم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال في شهود اختلافهم وتباين أطوارهم ؛ فإنَّ مَنْ طالَعَ الكائناتِ بعين القدرة علم أن المُثْبِتَ للكلِّ - على ما اختص به كل واحد من الكل - واحدٌ.
فادْعُهم جهراً بجهر ، واشهد تصريفنا إياهم سِرَّاً بسر ، واشغل لسانك بنصحهم ، وفرِّغ قلبك عن حديثهم ، وأفرد سِرَّك عن شهودهم ، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ ، والمُجرِي للأمور والمبدي - نحن. أ هـ ﴿لطائف الإشارات حـ 1 صـ 228﴾