فصل
قال الطبرى :
يعني بذلك جل ثناؤه : فإن حاجَّك : يا محمد ، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه ، فخاصموك فيه بالباطل ، فقل : انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي. وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول : "أسلمت وجهي لله" ، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه ، وفيه بهاؤه وتعظيمه ، فإذا خضع وجهه لشيء ، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه. أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ 6 صـ 280﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى : ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ﴾ أي جادلوك بالأقاويل المزوّرة والمغالطات ، فأسْنِدْ أمرك إلى ما كُلِّفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك.
وقوله "وَجْهي" بمعنى ذاتْي ؛ ومنه الحديث " سجد وجهي للذي خلقه وصوّره " وقيل : الوجه هنا بمعنى القصد ؛ كما تقول : خرج فلان في وجه كذا.
وقد تقدّم هذا المعنى في البقرة مستوفى ؛ والأوّل أولى.
وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس.
وقال :
أسلمتُ وجْهي لمن أسلمتْ . . .
له المُزْنُ تحمل عَذْباً زُلاَلاَ
وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ [ الرحمن : 27 ] إنها عبارة عن الذات ، وقيل : العمل الذي يقصد به وجهه.
وقوله : ﴿ ومَنِ اتبعن ﴾ "مَن" في محل رفع عطفا على التاء في قوله "أَسْلَمْتُ" أي ومِن اتبعن أسلم أيضا ، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما.
وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء "اتبعن" على الأصل ، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء.
وقال الشاعر :
ليس تُخفى يَسارتي قدَر يوم . . .
ولقد تُخْف شيمتي إعساري. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 4 صـ 45﴾
قوله تعالى : ﴿وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والاميين أأَسْلَمْتُمْ﴾
قال الفخر :