الوجه الخامس : وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 148 ـ 149﴾
وقال ابن الجوزى :
فإن قيل : فما فائدة إنزال المتشابه ، والمراد بالقرآن البيان والهدى ؟ فعنه أربعة أجوبة.
أحدها : أنه لما كان كلام العرب على ضربين.
أحدهما : الموجز الذي لا يخفى على سامعه ، ولا يحتمل غير ظاهره.
والثاني : المجاز ، والكنايات ، والإشارات ، والتلويحات ، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب ، والبديع في كلامهم ، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين ، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله ، فكأنه قال : عارضوه بأي الضربين شئتم ، ولو نزل كله محكماً واضحاً ، لقالوا : هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا.
ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية ، أو تعريض أو تشبيه ، كان أفصح وأغرب.
قال امرؤ القيس :
وما ذرفت عيناك إلا لنضر بي . . .
بسهميك في أعشار قلب مقتَّل
فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه ، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد ، وزاد في بلاغته.
وقال امرؤ القيس أيضاً :
رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل فلم أننصر . . .
وقال أيضاً :
فقلت له لما تمطى بصُلبه . . .
وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فجعل لليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه ، فحسن بذلك شعره.
وقال غيره :