وإنما سماهن"أمّ الكتاب" ، لأنهن معظم الكتاب ، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه ، وكذلك تفعل العرب ، تسمي الجامعَ معظم الشيء"أمًّا" له. فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر : "أمّهم" ، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة : "أمها".
وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
ووحَّد"أمّ الكتاب" ، ولم يجمع فيقول : هن أمَّهات الكتاب ، وقد قال : "هُنّ" لأنه أراد جميع الآيات المحكمات"أم الكتاب" ، لا أن كل آية منهن"أم الكتاب". ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن"أم الكتاب" ، لكان لا شك قد قيل : "هن أمهات الكتاب". ونظير قول الله عز وجل : "هن أمّ الكتاب" على التأويل الذي قلنا في توحيد"الأم" وهي خبر لـ"هُنّ" ، قوله تعالى ذكره : ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) [سورة المؤمنون : 50] ولم يقل : آيتين ، لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية. إذ كان المعنى واحدًا فيما جُعلا فيه للخلق عبرة. ولو كان مرادًا الخبرُ عن كل واحد منهما على انفراده ، بأنه جعل للخلق عبرة ، لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين ، لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريم ولدت من غير رجل ، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيًّا ، فكان في كل واحد منهما للناس آية.
وقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل : "هن أم الكتاب" ، ولم يَقل : "هن أمهات الكتاب" على وجه الحكاية ، كما يقول الرجل : "ما لي أنصار" ، فتقول : "أنا أنصارك" أو : "ما لي نظير" ، فتقول : "نحن نظيرك".
قال : وهو شبيهُ : "دَعنى من تَمرْتَان" ، وأنشد لرجل من فقعس :
تَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانِ حَلِّ... تَعرُّض المُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ تَعَرُّضًا لَمْ تَألُ عَنْ قَتْلا لِي
حاكيهنّ ، بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن وأن معلومًا أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله : "أمّ الكتاب" ، فيجوز أن يقال : أخرج ذلك مُخرَج الحكاية عمن قال ذلك كذلك.
أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ 6 صـ 170 ـ 172﴾
وقال ابن الجوزى :
وفي المتشابه سبعة أقوال.