ثم أسند عن عائشة نحو هذا المعنى ؛ وهو ( القول الخامس ) : ورجح الطبريّ أن الآية محكمة غير منسوخة : قال ابن عطية : وهذا هو الصواب ، وذلك أن قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ معناه مما هو في وُسعكم وتحت كسبكم ، وذلك استصحاب المعتقَد والفكر ؛ فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشْفَق الصحابة والنبيّ صلى الله عليه وسلم ، فبيّن الله لهم ما أراد بالآية الأخرى ، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلّف نفساً إلاَّ وسعها ، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع ، بل هي أمر غالب وليست مما يكتسب ؛ فكان في هذا البيان فرَجُهم وكشف كُرَبهم ، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها : ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ ؛ فإن ذهب ذاهب إلى تقدير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية ، وذلك أن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم : "قولوا سمعنا وأطعنا" يجيء منه الأمر بأن يثبتوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران.
فإذا قُرّر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه ، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى : ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ [ الأنفال : 65 ] فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التَزِموا هذا واثْبتُوا عليه واصْبِروا بحَسَبِه ، ثم نسخ بعد ذلك.
وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين.
قال ابن عطية : وهذه الآية في"البقرة" أشبه شيء بها.
وقيل : في الكلام إضمار وتقييد ، تقديره يحاسبكم به الله إن شاء ؛ وعلى هذا فلا نسخ.