الوجه الخامس في الجواب : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء﴾ فيكون الغفران نصيباً لمن كان كارهاً لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيباً لمن يكون مصراً على تلك الخواطر مستحسناً لها.
الوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة ، وهو ضعيف ، لأن اللفظ عام ، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه.
الوجه السابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله ﴿لا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [ البقرة : 286 ] وهذا أيضاً ضعيف لوجوه
أحدها : أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السلام : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " والثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي.
واعلم أن للناس اختلافاً في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرناه في أصول الفقه ، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 108 ـ 110﴾
وقال القرطبى :
اختلف الناس في معنى قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله ﴾ على أقوال خمسة :
الأوّل أنها منسوخةٌ ؛ قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سِيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عُبَيْدَة وجماعة من الصحابة والتابعين ، وأنه بقي هذا التكليف حَوْلاً حتى أنزل الله الفرج بقوله : ﴿ لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾.