وكان سعيد بن المسيب يقول : لا خير فيمن لا يطلب المال ؛ يقضي به دَيْنَه ويصون به عِرضه ؛ فإن مات تركه ميراثاً لمن بعده.
وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار ، وخلف سفيان الثوري مائتين ، وكان يقول المال في هذا الزمان سلاح.
وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء ؛ وإنما تحاماه قوم منهم إيثاراً للتشاغل بالعبادات ، وجمع الهمّ فقنعوا باليسير.
فلو قال هذا القائل : إن التقليل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم.
قلت : ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " من قتل دون ماله فهو شهيد " وسيأتي بيانه في "المائدة" إن شاء الله تعالى. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 416 ـ 420﴾
قوله تعالى : ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
قال الطبرى :
وأما قوله : "والله بما تعملون عليمٌ" ، فإنه يعني : "بما تعملون" في شهادتكم من إقامتها والقيام بها ، أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها ، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها "عليمٌ" ، يحصيه عليكم ، ليجزيكم بذلك كله جزاءكم ، إما خيرًا وإما شرًّا على قدر استحقاقكم. أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ 6 صـ 100﴾
وقال الفخر :
تحذير من الإقدام على هذا الكتمان ، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفاً حذراً من مخالفة أمر الله تعالى ، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيراً فخيراً ، وإن شراً فشراً. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 107﴾
وقال ابن عاشور :
وقوله : ﴿والله بما تعملون عليم ﴾ تهديد ، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع ؛ لأنّ القادر لا يحُول بينه وبين المؤاخذة إلاّ الجهل فإذا كان عليماً أقام قسطاس الجزاء. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 3 صـ 128﴾
لطيفة
قال السعدى :
وقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم ، لاشتمالها على العدل والمصلحة ، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات ، وانتظام أمر المعاش ، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه. أ هـ ﴿تفسير السعدى صـ 119﴾