الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلاً في قوله ﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ﴾ فكان صرف قوله ﴿وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ إلى الأمر بالأداء حملاً له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها.
واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعيناً ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضاً على الكفاية. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 101﴾
وقال القرطبى :
قال علماؤنا : هذا في حال الدعاء إلى الشهادة.
فأمّا من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقُّها الذي ينتفع بها ، فقال قوم : أداؤها ندب لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ ففرض الله الأداء عند الدعاء ؛ فإذا لم يُدْع كان ندباً ؛ لقوله عليه السَّلام : " خير الشهداءِ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " رواه الأئمة.
والصحيح أن أداءها فرض وإن لم يُسْألها إذا خاف على الحق ضياعه أو فوته ، أو بطلاق أو عتق على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدام العبد إلى غير ذلك ؛ فيجب على من تحمل شيئاً من ذلك أداءُ تلك الشهادة ، ولا يَقِف أداؤها على أن تسأل منه فيضيع الحق ؛ وقد قال تعالى : ﴿ وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ ﴾ [ الطلاق : 2 ] وقال : ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزخرف : 86 ].
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " فقد تعيّن عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياءً لحقه الذي أماته الإنكار. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 399﴾
لطيفة
قال ابن عاشور :
﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾.