قال الفرَّاء : وهذا المعنى غير مطلوبٍ من الكلامِ؛ لأنه لو قال فانظر إلى حِمارك لنجعلك آيةً للناسِ ، كان النظرُ إلى الحمار شرطاً ، وجعله آية جزاءً أَمَّا لمَّا قال : " وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً " [ كان المعنى : ولنجعلك آيةً فعلنا ما فعلنا ، من الإماتة ، والإحياء. وليس في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ ، كما زعم بعضهم؛ فقال : إن قوله : " وَلِنَجْعَلَكَ " مؤخر بعد قوله تعالى : ﴿ وانظر إِلَى العظام ﴾ ، وأَنَّ الأَنظارَ الثلاثةَ منسوقةٌ بعضها على بعضٍ ، فُصِل بينها بهذا الجارّ؛ لأنَّ الثالث مِنْ تمامِ الثاني ، فلذلك لم تجعل هذه العلةُ فاصلةً معترضةً. وهذه اللامُ لامُ كي ، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار " أَنْ " وهي وما بعدها من الفعلِ في محلِّ جرٍّ على ما سبق بيانُهُ غير مرةٍ. و" آية " مفولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجَعْلَ هنا بمعنى : التصيير. و" لِلنَّاسِ " صفةٌ لآيةٍ ، و" أَلْ " في الناس ، قيل : للعهدِ ، إِنْ عَنَى بهم بقيةَ قومِهِ ، وقيل : للجنس ، إِنْ عَنَى بهم جميع بني آدم ].
قوله : " كَيْفَ " منصوبٌ نصبَ الأَحوال ، والعاملُ فيها " نُنْشِزُها " وصاحبُ الحالِ الضميرُ المنصوبُ في " نُنْشِزُها " ، ولا يعملُ في هذا الحالِ " انظُرْ " إذ الاستفهامُ له صدرُ الكلام ، فلا يعملُ فيه ما قبله ، هذا هو القولُ في هذه المسألة ، ونظائرها.
وقال أبو البقاء : " كيف نُنْشِزُها " في موضِعِ الحالِ من " العِظَامِ " ، والعاملُ في " كيف " نُنْشِزُها ، ولا يجوز أن يعمل فيها " انظُرْ " لأنَّ هذه جملة استفهام ، والاستفهامُ لا يقعُ حالاً ، وإنما الذي يقعُ حالاً " كَيْفَ " ، ولذلك تُبْدَلُ منه الحالُ بإعادة حرفِ الاستفهامِ ، نحو : " كيف ضَرَبْتَ زيداً؛ أقائماً أم قاعداً " ؟