اعلم أن الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، قالوا : لأن قوله ﴿لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض﴾ يتناول كل ما في السموات والأرض ، وأفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق ، وكما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل يؤكده ، وذلك لأن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته ، وإلا لزم ترجح الممكن من غير مرجح وهو محال. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 9﴾
قوله تعالى : ﴿مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾
قال الفخر :
قوله ﴿مَن ذَا الذى﴾ استفهام معناه الإنكار والنفي ، أي لا يشفع عنده أحد إلا بأمره وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى﴾ [ الزمر : 3 ] وقولهم ﴿هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله﴾ [ يونس : 18 ] ثم بيّن تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلوب.
فقال : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ [ يونس : 18 ] فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ونظيره قوله تعالى : ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً﴾ [ النبأ : 38 ]. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 9﴾
وقال ابن عاشور :
وجملة ﴿ من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه ﴾ مقرّرة لمضمون جملة ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ لما أفادُه لام الملك من شمول ملكه تعالى لِجميع ما في السماوات وما في الأرض ، وما تضمنّه تقديم المجرور من قَصْر ذلك الملك عليه تعالى قصرَ قلب ، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى ، بالمطابقة.