بحث نفيس ﴿دروس من السماء﴾
قصة أمة :
إنها أمة واهنة القوى ، ساقطة المستوى ، كهذه الأمم المبعثرة فى ربوع الشرق ، الباقية على خريطة العالم القديم ، كأنها أطلال دارسة ، لحضارات طال عليها الأمد ، وانقطع بها الزمن ، وأدبرت عنها الحياة.
فهى ـ فى شيخوختها العاثرة ـ تذكر ماضيها فترجو ، ويلحقها حاضرها فتكبو.
إنها بين اليأس والأمل ، وبين الحياة والموت ، وبين رغبتها فى العيش الكريم ، وتعثرها فى الأخذ بأسبابه.
تواجه الدنيا بأمانيها ، ويواجهها القدر بدروسه ، وتنزل إلى ميدان الحياة برغائبها المجردة ، فيفاجئها الميدان بعقباته المعترضة ، ومتاهاته المحيرة.
وقد وصلت ـ أخيرا ـ إلى ما تبغى ، ولكن مثل ما يصل الفتى الغر إلى تحقيق أحلامه ، بعد سنوات طويلات تترك تجاعيدها على جبينه.
وبعد أحداث قاهرات تدع ندوبها فى فؤاده ، وكفاح موصول المرارة والتجهم والمصابرة ، لم يزل به حتى يغير منه كل شىء.
فكأن الذى وصل إلى أخر الطريق ، شخص آخر ، غير الذى بدأ مراحله ، ووقف على أوائله لا يعرف ما يكون ، ولا يدرى ما يخبأ له.
هذه الأمم تموت حتما : الأمة التى تقبل الخنوع وتعطى الدنية من نفسها ، لن تحرم من مكان تعيش فيه ، فإن سادة العالم لن يرفضوا الاستكثار من الخدم والأتباع.
ولا ضير على الواحد منهم ، إن سخر مستعمرة واسعة الرقعة ، ليعيش ما فيها من حيوان ، وما فيها من إنسان ، سواسية فى العمل له والفناء فيه.
بيد أن الشعوب الخادمة لغيرها ، ليست إلا شعوبا ماتت فيها المواهب الإنسانية العليا ، وارتكست فيها الملكات الذكية اليقظة.
فهى توصف بالحياة ، كما يصف السادة بالحياة كلاب الصيد التى تلهث بين أيديهم ، أو أبقار الحرث التى تعمل فى حقولهم!.
أما هم ـ من الناحية الإنسانية المحضة ـ فأموات.
وكل أمة تنكل عن حمل أعباء الحياة الحرة الأبية ، وتنكص عن الإقدام فى ساحات الجهاد والتضحية ، وتخشى عواقب المخاطرة والجرأة ، فلابد أن تصدر عليها محكمة التاريخ ، حكمها بالإعدام.