أما قوله : ﴿مِن نّسَائِهِمْ﴾ ففيه سؤال ، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : حلف فلان على كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة على ههنا بلفظة ﴿مِنْ﴾ ؟ .
والجواب من وجهين : الأول : أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر ، كما يقال : لي منك كذا والثاني : أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 69﴾
فوائد لغوية
قال ابن عاشور :
الإيلاء : الحلف ، وظاهر كلام أهل اللغة أنه الحلف مطلقاً يقال آلى يولي إيلاء ، وتألى يتألى تألياً ، وائتلى يأتلي ائتلاء ، والاسم الألوَّة والألية ، كلاهما بالتشديد ، وهو واوي فالألوة فعولة والألية فعيلة.
وقال الراغب : "الإيلاء حلف يقتضي التقصير في المحلوف عليه مشتق من الألو وهو التقصير قال تعالى : ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ [ آل عمران : 118 ] ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة﴾ [ النور : 22 ] وصار في الشرع الحلف المخصوص" فيؤخذ من كلام الراغب أن الإيلاء حلف على الامتناع والترك ؛ لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك ؛ وهو الذي يشهد به أصل الاشتقاق من الألو ، وتشهد به موارد الاستعمال ، لأنا نجدهم لا يذكرون حرف النفي بعد فعل آلى ونحوه كثيراً ، ويذكرونه كثيراً ، قال المتلمس :
آلَيْتُ حبَّ العِرَاققِ الدَّهْرَ أَطْعَمُه...
وقال تعالى : ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا﴾ [ النور : 22 ] أي على أن يؤتوا وقال تعالى هنا : ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ فَعدَّاه بمِنْ ، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين.
وأيَّاً مَّا كان فالإيلاء بعد نزول هذه الآية ، صار حقيقة شرعية في هذا الحَلِف على الوصف المخصوص.
ومجيء اللام في ﴿للذين يؤلون﴾ لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم ، فاللام للأَجْل مثل هَذا لَكَ ويعلم منه معنى التخيير فيه ، أي ليس التربص بواجب ، فللمولى أَن يفىء في أقل من الأشهر الأربعة.