تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلام نفيس فى الحكمة في توجيه السرايا للعلامة الشيخ محمد الغزالى

قال رحمه الله :

الحكمة في توجيه هذه السرايا على ذلك النحو المتتابع تتلخص في أمرين :

أولهما :

إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء ، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم. ذلك الضعف الذي مكن قريشاً في مكة من مصادرة عقائدهم وحرياتهم واغتصاب دورهم وأموالهم ، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضآلة شأنها ، فإن المتربصين بالإسلام في المدينة كثرٌ ، ولن يصدهم عن النيل منه إلاّ الخوف وحده. وهذا تفسير قوله تعالى :

﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.

والصنف الأخير هم المنافقون الذين يبطنون البغضاء للإسلام وأهله ، ولا يمنعهم من إعلان السخط عليه إلا الجبن وسوء المغبة ، أما الأولون فهم المشركون ولصوص الصحراء وأشباههم ممن لا يبالون -لولا هذه السرايا- الهجوم على المدينة واستباحة حماها.

وقد كان من الجائز أن تتكرر حادثة "كرز بن جابر" السابقة ، ويتجرأ البدو على تهديد المدينة حيناً بعد حين ؛ غير أن هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين.

والأمر الآخر :

-في حكمة بعث السرايا- إنذار قريش عقبى طيشها.

فقد حاربت الإسلام ولا تزال تحاربه ، ونكلت بالمسلمين في مكة ، ثم ظلت ماضية في غيها ، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله ، ولا تسمح لهذا الدين أن يجدد قراراً في بقعة أخرى من الأرض ، فأحب الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) أن يشعر حكام مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة ، وأنه قد مضى -إلى غير عودة- ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص...

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٢١٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٢١٠٦