ورابعها : أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه الآيات فإنها : أمر وتكليف ففيه كلفة ومشقة ، فلابد من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ألزم تكليفاً شاقاً فل وشافهه المولى وقال : أريد منك أن تفعل كذا ، فإنه يصير ذلك الشاق لذيذاً لأجل ذلك الخطاب (1). أهـ
وقال البغوي - رحمه الله(2) - قوله (يا أيها الناس) قال ابن عباس (يا أيها الناس) خطاب أهل مكة ، (يا أيها الذين آمنوا) خطاب أهل المدينة ، وهو هاهنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين.
وعلق القرطبي - رحمه الله - على هذا الكلام قائلاً : (وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما (يا أيها الناس) ، وأما في (يا أيها الذين آمنوا) فصحيح (3).
قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ليس في القرآن غيره ، لأن العبادة في الآية : التوحيد.
والتوحيد أول ما يلزم العبد من المعارف ، فكان هذا أول خطاب خاطب الله به الناس في القرآن ، فخاطبهم بما ألزمهم أولاً ثم ذكر سائر المعارف وبني عليها العبادات فيما بعدها من السور والآيات.
فإن قيل : سورة البقرة ليست من أول القرآن نزولاً ، فلا يحسن فيها ما ذكرت.
قلت : أو القرآن سورة الفاتحة ، ثم البقرة ، ثم آل عمران ، على هذا الترتيب إلى سورة الناس ، وهكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ ، وهو يدل على هذا الترتيب كان يعرضه عليه الصلاة والسلام على جبريل - عليه السلام - كل سنة أي : ما كان يجتمع عنده منه ، وعرضه عليه الصلاة والسلام في السنة التي توفي فيها مرتين (4). أهـ
(1) - التفسير الكبير حـ1 صـ319 - بتصرف يسير.
(2) - معالم التنزيل حـ1 صـ51
(3) - تفسير القرطبي جـ1 صـ162. بتصرف يسير
(4) - أسرار التكرار في القرآن للكرماني صـ22