تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب : لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة﴾ [النساء : 101] والقصر بالاتفاق من المندوبات ، وأيضاً فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللاً في الحج ونقصاً فيه ، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله : ﴿لا جناح عَلَيْكُمْ ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 146 ـ 147﴾

كلام نفيس فى هذا الموضع لصاحب البحر المديد

قال رحمه الله :

﴿ ليس عليكم جناح﴾ أي : إثم أو ميل عن الصواب ، في ﴿أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ أي : عطاء ورزقاً تستفيدونه من التجارة في مواسم حجكم ، إذا خلَصَتْ نيتكم ، وغلب قصدُ الحج على التجارة.

وها هنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء وحاصلها : أن العمل إذا تمحَّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب ، وإذا تمحض الله خالصاً فهو سبب القرب والثواب ، وإذا امتزج بشوْب من الرياء أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب وقوة الباعث ؛ فإن كان باعث الحظ أغلب ، سقط ، وكان إلى العقوبة أقرب ، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله ، وإن كان باعث التقرب أغلب ، حُط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ ، وإن تساوي تقاوماً وتساقطاً وصار العمل لا له ولا عليه.

ثم قال : ويشهد لهذا إجماعُ الأمة على أن مَنْ خرج حاجّاً ومعه تجارة صحَّ حجه وأُثيب عليه. ثم قال : والصواب أنْ يقال : مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي ، وكان غرضُ التجارة كالتابع ، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ، ثم طُرِّد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة ، يعني : يُنْظر لغالب الباعث وخُلوص القصد ، وكذلك الصوم للحِمْية والثواب ، ينظر لغالب الباعث.

قلت : وتطَّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها ، وجميع الحركات والسكنات والحِرَف وسائر الأسباب ، فالخالص من الحظوظ مقبول ، والمتمحض للحظوظ مردود ، والمَشُوب يُنظر للغالب كما تقدم.

جامع لطائف التفسير · الصفحة ١٦٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ١٦٨٥