قلت : ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أوْلى ، وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات ؛ والدليل على ذلك ما ذكرناه. وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي ، حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنيّةٍ ما أثيب عليه ، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل ، وإنما الصحابة ظنُّوا ذلك فقالوا : إنك تواصل ؛ فأخبر أنه يُطْعَم ويُسْقَى. وظاهر هذه الحقيقة : أنه صلى الله عليه وسلم يُؤتى بطعام الجنَّة وشرابها. وقيل : إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف ، وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يَرِد دليل يزيلها. ثم لما أبَوْا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه ، وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقلّ صبرهم فلا يواصلوا. وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمّقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم. وأيضاً لو تنزّلنا على أن المراد بقوله : "أُطعَم وأُسَقى" المعنى لكان مفطراً حُكماً ؛ كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور مفطرٌ حُكماً ، ولا فرق بينهما ، قال صلى الله عليه وسلم : " مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجة في أنْ يَدَع طعامَه وشرابَه " وعلى هذا الحدّ ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به ، فكان تركه أولى. وبالله التوفيق.أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 2 صـ 330﴾
قوله تعالى : ﴿وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾
المناسبة
قال البقاعى :