وقيل لإبراهيم بن أدْهم : ما بالنا ندعو فلا يُستجاب لنا ؟ قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه ، وعرفتم الرسول فلم تتّبعوا سُنّته ، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به ، وأكلتم نِعم الله فلم تؤدّوا شكرها ، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها ، وعرفتم النار فلم تهربوا منها ، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه ، وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له ، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا ، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. قال عليّ رضي الله عنه لنَوْف البِكَالِيّ : يا نَوْف ، إن الله أوحى إلى داود أن مُرْ بني إسرائيل ألاّ يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأيدٍ نقيّة ؛ فإني لا أستجيب لأحد منهم ، ما دام لأحد من خلقي مظلمة. يا نوف ، لا تكونن شاعراً ولا عَرِيفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا عَشّاراً ، فإن داود قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلاّ استجيب له فيها ، إلا أن يكون عَرِيفاً أو شرطيًّا أو جابياً أو عَشَاراً ، أو صاحب عَرْطَبَة ، وهي الطُّنبور ، أو صاحب كُوبة ، وهي الطبل. قال علماؤنا : ولا يَقُل الداعي : اللَّهُمّ أعطني إنْ شئتَ ، اللَّهُمّ اغفر لي إن شئتَ ، اللَّهُمّ ارحمني إن شئتَ ؛ بل يَعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة ، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء. وأيضاً فإن في قوله : "إن شئت" نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته ؛ كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل ؛ لا يستعمل هذا إلا مع الغنيّ عنه ، وأما المضطرّ إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطرّ إلى ما سأله. روى الأئمة واللفظ للبخاريّ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دعا أحدكم فليعزِم المسألة ولا يقولنّ اللَّهُمّ إن شئتَ فأعطني فإنه لا مُسْتَكْرِه له " وفي الموَطّأ : " اللَّهُمّ اغفر لي إن شئتّ ، اللّهُمّ ارحمني إن شئت " قال علماؤنا : قوله "فليعزِم المسألة" دليل على
جامع لطائف التفسير · الصفحة ١٣٩٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
جامع لطائف التفسيرص ١٣٩٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي