ولما كان الغريق في الإيمان أعلى الناس، وكان تحت رتبته رتب متكاثره، نبه على ذلك وعلى دناءة مقصدهم بالجار فقال: ﴿من دون المؤمنين﴾ أي الغريقين في الإيمان، وهذا إشارة إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى الإيمان، ولذلك قال منكراً: ﴿أتريدون﴾ أي بموالاتهم ﴿أن تجعلوا لله﴾ أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله ﴿عليكم﴾ أي في النسبة إلى النفاق ﴿سلطاناً﴾ أي دليلاً اضحاً على كفركم باتباعكم غير سبيل المؤمنين ﴿مبيناً﴾ واضحاً مسوِّغاً لعقابكم وخزيكم وجعلكم في زمرة المنافقين. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 2 صـ 339﴾
فصل
قال الفخر:
اعلم أنه تعالى لما ذم المنافقين بأنهم مرة إلى الكفرة ومرة إلى المسلمين من غير أن يستقروا مع أحد الفريقين نهى المسلمين في هذه الآية أن يفعلوا مثل فعلهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين﴾ والسبب فيه أن الأنصار بالمدينة كان لهم في بني قريظة رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من نتولى؟ فقال: المهاجرين؟ فنزلت هذه الآية.
والوجه الثاني: ما قاله القفال رحمه الله: وهو أن هذا نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين يقول: قد بينت لكم أخلاق المنافقين ومذاهبهم فلا تتخذوا منهم أولياء.
ثم قال تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾
فإن حملنا الآية الأولى على أنه تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار كان معنى الآية أتريدون أن تجعلوا لله سلطاناً مبيناً على كونكم منافقين، والمراد أتريدن أن تجعلوا لأهل دين الله وهم الرسول وأمته، وإن حملنا الآية الأولى على المنافقين كان المعنى: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم في عقابكم حجة بسبب موالاتكم للمنافقين. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 69﴾
(28/ 364)
وقال الآلوسى: