وقرأ ابن أبي عَبْلَة بنصب العَيْن وهي ظَاهِرَةٌ؛ فإنه على إضْمَار " أنْ " بعد الوَاوِ المقتَضِيَة للجَمْع في جواب الاستفهامِ؛ كقول الحُطيْئَة: [الوافر]
ألَمْ أكُ جَارَكُم ويَكُونَ بَيْنِي ...
(28/ 336)
وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ والإخَاءُ
وعَبَّر ابنُ عَطِيَّة بعبارة الكوفيين، فقال: " بفتحِ العَيْن على الصَّرْف " ويعنون بالصَّرْف: عدمَ تَشْريكِ الفِعْلِ مع ما قَبْلَه في الإعْرَاب.
وقرأ أبيّ: " ومنعناكم " فعلاً ماضياً، وهي ظاهرةٌ أيضاً؛ لأنه حُمِلَ على المَعْنَى، فإنَّ معنى " أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ ": إنَّا قد اسْتَحْوَذْنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نَفْي قَرَّره، ومثلُه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا﴾ [الشرح: 1، 2] لَمَّا كان " أَلم نَشْرَحْ " في معنى: " قد شَرحْنَا " عُطِفَ عليه " ووضَعْنا ".
ونَسْتَحْوِذُ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً، وفَصُحَ استعمالاً؛ لأنَّه مِنْ حقِّه نَقْلُ حركةِ حَرْفِ علَّتِه إلى السَّاكِن قبلها، وقَلْبها ألفاً؛ كاسْتَقَام واسْتَبَان وبابه، وقد قدمت تَحْقِيق هذا في قوله - تعالى - في الفاتحة: " نَسْتَعين "، وقد شذَّت معه ألفاظٌ أخَرُ، نحو: " أغْيَمَتْ وأغيلت المرأة وأخيَلت السَّماء " قصرها النَّحْوِيُّون على السَّماع، وقاسها أبُو زَيْد.
قوله: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ قيل: هنا مَعْطوفٌ مَحْذُوف، أي: وبينهم؛ كقوله: [الطويل]
فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً ...
أبُو حُجُرٍ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ
أي: وبيني، والظَّاهرُ أنه لا يحتاج لذلك؛ لأن الخِطَاب في " بَيْنَكُم " شاملٌ للجَميع، والمرادُ: المُخَاطَبُون والغَائِبُون، وإنما غَلَّبَ الخطاب؛ لما عَرَفْتَ من لُغَة العرب.