قوله: " يُكَفَرُ بِهَا " في محلِّ نَصْب على الحَالِ من الآيات، و" بها " في محلِّ رفع؛ لقيامِه مقامَ الفاعلِ، وكذلِك في قوله: " يُسْتَهْزَأُ بِهَا " والأصل: يكفر بها أحدٌ، فلمَّا حُذِف الفاعلُ، قام الجارُّ والمَجْرُورُ مقامَه، ولذلك رُوعِي هذا الفَاعِلُ المَحْذُوف، فعاد عليه الضَّمِيرُ من قوله: ﴿مَعَهُمْ حتى يخوضوا﴾ كأنه قِيل: إذا سَمِعْتُم آياتِ الله يَكْفرُ بها المُشْرِكُون، ويَسْتَهزِئُ بها المُنَافِقُون، فلا تَقْعدوا مَعَهُم حتى يخُوضُوا في حَديثٍ غيره، أي: غير حَدِيث الكُفْر والاستهزاء، فعاد الضَّمير في " غيره " على ما دَلَّ عليه المَعْنَى.
وقيل: الضَّمير في " غيره " يجُوزُ أنْ يعودَ على الكُفْر والاستِهْزَاء المفهُومَيْن من قوله: " يُكَفَر بِهَا " و" وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا "، [وإنما أفْرَد الضَّمِير وإن كان المُرَاد به شَيْئين؛ لأحد أمرين:]
إمَّا لأنَّ الكُفر والاستِهْزَاء شيءٌ واحدٌ في المعْنَى:
وإمَّا لإجراءِ الضَّميرِ مُجْرى اسم الإشَارةِ، نحو: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: 68].
وقوله: [الرجز]
كَأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَق ...
(28/ 314)
وقد تقدَّم تَحْقِيقُه في البقرة، و" حتى ": غايةٌ للنَّهْي، والمعنى: أنه يجُوز مُجَالستهم عند خَوْضِهم في غير الكُفْر والاستِهْزَاء.
قال الضَّحاك: عن ابن عبَّاسٍ: دخل في هذه الآية كل مُحْدِث في الدِّين، وكل مُبْتَدِع إلى يَوْم القِيَامَةِ.
قوله: ﴿إنكم إذاً مثلهم﴾ " إذاً " هنا: مُلغَاةٌ؛ لوقوعها بين مُبْتَدأ وخبر، والجمهور على رفعِ اللام في " مثلُهم " على خَبَرِ الابتداء، وقرئ شاذاً بفتحها، وفيها تَخْريجَان: