تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير مرّة، لأنّ التناجي كان من شأن المنافقين فقال: ﴿ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهو عنه﴾ [المجادلة: 8] وقال: ﴿إنّما النجوى من الشيطان ليُحزن الذين آمنوا﴾ [المجادلة: 10].

وقد ظهر من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون ثالث أنّ النجوى تبعث الريبة في مقاصد المتناجين، فعلمنا من ذلك أنّها لا تغلب إلاّ على أهل الريَب والشبهات، بحيث لا تصير دأباً إلاّ لأولئك، فمن أجل ذلك نفى الله الخير عن أكثر النجوى.

(27/ 300)

ومعنى ﴿لا خير﴾ أنّه شرّ، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال﴾ [يونس: 32]، ولأنّ مقام التشريع إنّما هو بيان الخير والشرّ.

وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو مُتناجيِهم، فعلم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 4 صـ 252 ـ 253﴾

فصل

قال الفخر:

قوله ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿مِنْ﴾ وجوهاً، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله ﴿إِلاَّ أَذًى﴾ [آل عمران: 111] ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله:

إلا اليعافير وإلا العيس .. وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال: التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف، وعلى هذا التقدي يكون ﴿مِنْ﴾ في محل النجوى لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: إحدهما: الخفض بدل من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد.

جامع لطائف التفسير · الصفحة ١١٦٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ١١٦٥٥