وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ الصَّحِيحُ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا﴾؛ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَالَةِ الْمُسَايَفَةِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَصِفَةِ مَوْقِفِ الْعَدُوِّ.
(27/ 133)
وَأَمَّا الزِّحَافُ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا فُعِلَتْ كَمَا أَنَّهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَى الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فُعِلَ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ.
وَمَا قُلْنَاهُ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّا نَحْنُ أَسْقَطْنَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ أَسْقَطَ أَصْلَ الصَّلَاةِ، فَهَذَا أَرْجَحُ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ شَيْءٍ، فَلِعُلَمَائِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يُعِيدُونَ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ عَمِلُوا عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، فَجَازَ لَهُمْ كَمَا لَوْ أَخْطَئُوا الْقِبْلَةَ.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُمْ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأُ، فَعَادُوا إلَى الصَّوَابِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَالْمُضَاءُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَتَرْكُ الْإِعَادَةِ أُولَى؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَاجْتَهَدُوا وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ لَا فِي الْقِبْلَةِ وَلَا فِي الْخَوْفِ وَلَا فِي أَمْثَالِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.