واختلفوا في نوع السفر الذي تُقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على الجهاد والحج والعُمرة وما ضارعها من صلة رَحِم وإحياء نفس.
واختلفوا فيما سوى ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها.
ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد.
وقال عطاء: لا تقصر إلا في سفر طاعةٍ وسبيل من سبل الخير.
وروي عنه أيضاً: تقصر في كل السفر المباح مثل قول الجمهور.
(26/ 384)
وقال مالك: إن خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزهاً، أو خرج لمشاهدة بلدة متنزهاً ومتلذذاً لم يقصر.
والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية؛ كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما.
ورُوي عن أبي حنيفة والأُوزاعيّ إباحة القصر في جميع ذلك، ورُوي عن مالك.
وقد تقدّم في "البقرة" واختلف عن أحمد، فمرة قال بقول الجمهور، ومرة قال: لا يقصر إلا في حج أو عمرة.
والصحيح ما قاله الجمهور، لأن القصر إنما شُرع تخفيفاً عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه، ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز، وكل الأسفار في ذلك سواء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي إثم ﴿أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة﴾ فعمّ.
وقال عليه السلام: " خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا " وقال الشعبيّ: إن الله يحب أن يعمل برُخَصه كما يحب أن يعمل بعزائمه.
وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه؛ لأن ذلك يكون عوناً له على معصية الله، والله تعالى يقول:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ [المائدة: 2].
الرابعة واختلفوا متى يقصر، فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذٍ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدوّنة.
ولم يَحُدّ مالك في القرب حدّا.