وقيل: المجاهدون تتساوى رتبهم في الدنيا بالنسبة إلى أحوالهم، كتساوي القاتلين بالنسبة إلى أخذ سلب من قتلوه، وتساوي نصيب كل واحد من الفرسان ونصيب كل واحد من الرجال، وهم في الآخرة متفاوتون بحسب إيمانهم، فلهم درجات بحسب استحقاقهم، فمنهم من يكون له الغفران، ومنهم من يكون له الرحمة فقط.
فكان الرحمة أدنى المنازل، والمغفرة فوق الرحمة، ثم بعد الدرجات على الطبقات، وعلى هذا نبه بقوله: ﴿هم درجات عند الله﴾ ومنازل الآخرة تتفاوت.
وقيل: الدرجة المدح والتعظيم، والدرجات منازل الجنة.
وقيل: المفضل عليهم أولاً غير المفضل عليهم ثانياً.
فالأول هم القاعدون بعذر، والثاني هم القاعدون بغير عذر، ولذلك اختلف المفضل به: ففي الأول درجة، وفي الثاني درجات، وإلى هذا ذهب ابن جريج، وهو من لا يستوي عنده أولوا الضرر والمجاهدون.
وقيل: اختلف الجهادان، فاختلف ما فضل به.
وذلك أن الجهاد جهادان: صغير، وكبير.
فالصغير مجاهدة الكفار، والكبير مجاهدة النفس.
(26/ 279)
وعلى ذلك دل قوله عليه السلام: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وإنما كان مجاهدة النفس أعظم، لأنّ من جاهد نفسه فقد جاهد الدنيا، ومن غلب الدنيا هانت عليه مجاهدة العدا، فخصّ مجاهدة النفس بالدرجات تعظيماً لها.
وقد تناقض الزمخشري في تفسير القاعدين فقال: فضل الله المجاهدين جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين، كأنه قيل: ما لهم لا يستوون؟ فأجيب بذلك: والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر، لكون الجملة بياناً للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف.