وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال: "لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال من فعل كذا وكذا".
وقالت فرقة ثالثة: الاستدلال بهذه النصوص مبني على ثبوت العموم وليس في اللغة ألفاظ عامة ومن ههنا أنكر العموم من أنكره وقصدهم تعطيل هذه الأدلة عن استدلال المعتزلة والخوارج بها لكن ذلك يستلزم تعطيل الشرع جملة بل تعطيل عامة الأخبار فهؤلاء ردوا باطلا بأبطل منه وبدعة بأقبح منها وكانوا كمن رام أن يبني قصرا فهدم مصرا.
وقالت فرقة رابعة: في الكلام إضمار.
قالوا: والإضمار في كلامهم كثير معروف.
ثم اختلفوا في هذا المضمر فقالت طائفة بإضمار الشرط والتقدير فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء.
(26/ 211)
وقالت فرقة خامسة: بإضمار الاستثناء والتقدير فجزاؤه كذا إلا أن يعفو وهذه دعوى لا دليل في الكلام عليها ألبتة ولكن إثباتها بأمر خارج عن اللفظ.
وقالت فرقة سادسة: هذا وعيد وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح والله تعالى يجوز عليه إخلاف الوعيد ولا يجوز عليه خلف الوعد والفرق بينهما أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط وذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه والوعد حق عليه أوجبه على نفسه والله لا يخلف الميعاد.
قالوا: ولهذا مدح به كعب بن زهير رسول الله حيث يقول:
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
وتناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد فقال عمرو بن عبيد يا أبا عمرو لا يخلف الله وعده وقد قال: 4: 93 ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ الآية فقال له أبو عمرو: "ويحك يا عمرو من العجمة أتيت إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذما بل جودا وكرما أما سمعت قول الشاعر:
ولا يهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا يخشى من سطوة المتهدد
وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي