وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا وَعد الله لعبد ثوابا فهو مُنْجِزه وإن أوعد له العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه إن شاء عفا عنه " وفي هذين التأويلين دَخَل؛ أما الأوّل فقال القشيري: وفي هذا نظر؛ لأن كلام الرب لا يقبل الخُلْف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام؛ فهو إذاً جائز في الكلام.
وأما الثاني وإن رُوي أنه مرفوع فقال النحاس: وهذا الوجه الغلط فيه بيّن، وقد قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ [الكهف: 106] ولم يقل أحد: إن جازاهم؛ وهو خطأ في العربية لأن بعده ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ﴾ وهو محمول على معنى جازاه.
(26/ 187)
وجواب ثالث فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصرّ على الذنب حتى وَافَى ربَّه على الكفر بشؤم المعاصي.
وذكر هبة الله في كتاب "الناسخ والمنسوخ" أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا هي مُحْكمة.
وفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنه موضع عمومٍ وتخصيصٍ لا موضع نسخ؛ قاله ابن عطية.
قلت: هذا حسن؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه.
وقال النحاس في "معاني القرآن" له: القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه مُحْكم وأنه يجازيه إذا لم يتب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ [طه: 82] فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ [الأنبياء: 34] الآية.
وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: 3].
وقال زهير:
ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا. . .
وهذا كله يدل على أن الخُلْد يطلق على غير معنى التأبيد؛ فإن هذا يزول بزوال الدنيا.