وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مِقْيَس ابن ضبابة؛ وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة؛ فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر؛ فقال بنو النجار؛ والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدّي الدّية؛ فأعطوه مائة من الإبل؛ ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مِقيس على الفهريّ فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتداً؛ وجعل ينشد:
قتلت به فِهرا وحمَّلت عقلَه. . .
(26/ 185)
سُراة بني النجار أربابَ فارِعِ
حلَلَتُ به وتْرِي وأدركت ثَورتي. . .
وكنت إلى الآوثان أوّلَ راجِعِ
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ " لا أؤمنه في حل ولا حرم " وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدّين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله؛ ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾ [هود: 114] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: 25] وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾.
والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص.
ثم إن الجمع بين آية "الفرقان" وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض، وذلك أن يحمل مطلق آية "النساء" على مُقَيَّد آية "الفرقان" فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب؛ لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب.