ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم، أنكر سبحانه وتعالى ذلك عليهم صريحاً لبت الأمر في كفرهم فقال ﴿أتريدون﴾ أي أيها المؤمنون ﴿أن تهدوا﴾ أي توجدوا الهداية في قلب ﴿من أضل الله﴾ أي وهو الملك الأعظم الذي لا يرد له أمر، وهو معنى قوله: ﴿ومن﴾ أي والحال أنه من ﴿يضلل الله﴾ أي بمجامع أسمائه وصفاته ﴿فلن تجد﴾ أي أصلاً أيها المخاطب كائناً من كان ﴿له سبيلاً﴾ أي إلى ما أضله عنه أصلاً، والمعنى: إن كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم فذلك أمر ليس إلا الله، وإنما عليكم أنتم الدعاء، فمن أجاب صار أهلاً للمواصلة، ومن أبى صارت مقاطعته ديناً، وقتله قربة، والإغلاظ واجباً. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 2 صـ 293 ـ 294﴾
فصل
قال الفخر:
ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها:
الأول: أنها نزلت في قوم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا يا رسول الله: نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه، فأذن لهم، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما صبرنا وقال قوم: هم مسلمون، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم، فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية.
الثاني: نزلت الآية في قوم أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين.
فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا، فنزلت الآية.
وهو قول ابن عباس وقتادة.
(25/ 320)
الثالث: نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فاختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، فمنهم فرقة يقولون كفروا، وآخرون قالوا: لم يكفروا، فنزلت هذه الآية.